وقفة عند مهنة الترجمة


 

سعى طالبٌ في احدى المراحل المتقدّمة من الدراسة الجامعيّة الى ترجمة بعض المصادر من اللغة الإنكليزية الى العربية لتضمينها في اطروحته، موضوع رسالة الماجستير لديه. وعند تعذّر القيام بعملية الترجمة بنفسه، والخروج بجملٍ ركيكة وغير مُحبكة، ناهيك عن عدم توفر الوقت لهذه العملية، حاولَ إيجاد مكتب للترجمة وأنفاق بعض المال للقيام بهذه المهمة. غير انّ خيبة امل الطالب في اكتشاف استخدام المكتب للترجمة الآلية عبر الغوغل بدلاً من مترجم، كان أكبر من صدمة السعر الباهظ لها! أما جارتهِ التي أنهت دراستها لأدب اللغة الانكليزيّة، فقد تفاجأت بصعوبة قيامها بعمل الترجمة كمهنة احترافيّة، واضطرارها الى عدم ترجمة بعض الجمل نتيجة لعدم فهمها لها او عدم معرفتها بكيفيّة تحويل زمن الفعل والأسلوب، وفشلها في امتحان الحصول على عضوية في جمعيّة المترجمين.

على الصعيد الشخصي، لم استغرب من ذلك، رغم ان الفشل في عملية الترجمة نتيجةً لعدم دراستها كعلم قد يكون نسبياً، بدليل وجود مترجمين ناجحين رغم عدم دراستهم للعلم جامعياً، ومترجمين آخرين فاشلين رغم دراستهم للترجمة لأربع سنوات. غيرَ ان ما أثار استغرابي هو تجاهل الاخذ بعلم دراسة الترجمة بنظر الاعتبار عند اختيار الترجمة، كمهنة احترافيّة، من قبل بعض أصحاب المكاتب او الافراد، إذا ما عدَدْنا ان اختيار الكلمة المفردة الملائمة وتركيبة النص الصحيحة، يمكن ان تكون بمثابة قوس النصر للعمل المُترجم بأكمله، أضف الى ذلك، إمكانية التفرّد بترجمة كتاب او نتاجٍ ادبيّ ونشره وجني ارباحٍ معنوية ومادية في ذات الوقت، فمهنة الترجمة، هي مهنة مُجزية بشكلٍ عام، خاصةً اذا ما كانت الحاجة لها كبيرة، ولعدة أسباب، منها ضعف الثقافة في ذلك البلد، او وجود جهاتٍ رسميّة بلغاتٍ اجنبيّة بشكل كبير. ومن الجدير بالذكر، ان سعر الترجمة تحدده اللغة المترجم اليها، وفيما لو كانت شائعة، ام نادرة.

يدرس منهج الترجمة تهيئة الطالب لغوياً بصورة أساسيّة وبلغتين احداها اللغة الام، واللغة الثانية هدف الترجمة، ودراسة لغة ثالثة كلغةٍ مساعدة. وبعد إتقان الطالب لأمور اللغة، يأخذ الأساتذة بيد الطالب لدراسة تركيبة النص وكيفيّة نقل المحتوى لغوياً، وثقافياً وحضارياً، كل نصٍ وحسب تخصصه، بشكلٍ صادق ودقيق. فأن تكون الترجمة صادقة هو بمثابة التفرّد لجمهورٍ جديد، ولنتاجٍ جديد، حقاً.. ويكون اختيار الكلمات هو البداية، ويلعب علم الصوتيّات دوره جزئياً في نقل المعنى، خاصة حين يكون الامر متعلقاً بترجمة الشعر. وتشكل الاختلافات اللغوية المتعلقة باللهجة عاملا مؤثراً وتحدياً اضافياً للمترجم، فدارس الترجمة هو المُتلقّي لسنوات خبرة الأستاذ وطرق حل مشاكل الترجمة، وخاصةً الادبيّة منها، حيث غموض المعنى وصعوبة تركيبة النص. أما فروع الترجمة الأخرى، من تتبعيه وشفويّة، وفورية، فتكون بمثابة التحديّات الأخرى التي يجب ان يجتازها المترجم وبنجاح، خاصةً من يرغب في التخصص بترجمة المؤتمرات.

في الدول الغربية، يخضع المترجم الى عدة اختبارات وتدريبات من اجل التخصص بمجال عمله. فتُفصل الترجمة التحريريّة عن الشفوية، ويتم إعطاء لكل منها شهادة تؤهل المترجم من العمل مع الجهة المنشودة؛ مترجم النصوص (Translator) والحاصل على شهادة اعتماد بتلك اللغة سواء اكانت عالمية ام من نفس البلد الذي هو فيه، هو غير مؤهل لان يكون مترجماً شفوياً أو فورياً، دون الحصول على التدريب اللازم والنجاح في اختبار الترجمة الشفوية كمترجم شفوي (Interpreter)، والذي يكون مُخصصاً لتدريب المترجم على اختيار موقعه في مكان الوقوف بين الجهة المتلقية للترجمة وبين المتحدّث، واخلاقيات المهنة من حيث الالتزام حرفياً بما يقوله المتحدث، وسرية الترجمة، وتوجيهات أخرى بعدم الحذف او الإضافة او التفاعل عاطفياً او إعطاء الآراء، وحتى طريقة الملبس وخصوصيّة نوعية الترجمة فيما لو كانت في المحاكم، او المستشفيات؛ فالمترجم هنا يكون مترجما للتلميحات، والتقاليد، والأعراف والدين وحتى السلوك، بالإضافة الى اللغة.

وتخضع الترجمة العصرية التحريرية الان لمقاييس البرمجيات الحديثة، والتي تسهّل من عمل المترجم وتحفظ له ما يُسمى بذاكرة الترجمة (Translation Memory) وبالتالي العمل أون-لاين وعبر الانترنت، ومن خلال برامج (Trados)، او (MemoQ) وغيرها، ضمن إطار العمل بالتعريب (Localization) لترجمة شبكات ومواقع الانترنت على اختلاف أنواعها، والى عدة لغات. تعمل هذه البرمجيات على ضمان مصداقية الترجمة. فالبرنامج يحدد لك العبارة التي سترجمها، عبر تقسيم النص الى أجزاء، دون جدوى تلافيها، او تجاوزها، أو تركها فارغة! هذا وبالإضافة الى تسهيل استرجاع المصطلحات المخزونة والمعترف بها دولياً، والتي تم ترجمتها سابقاً، دون عناء البحث عنها. وتجدر الإشارة الى انّ كُبرى الشركات الترفيهية مثل نتفلكس، تعتمد مترجمين من مختلف اللغات ومن ضمنهم العرب، لتعريب شبكاتها وترويج مواقعها وخدماتها، عبر خدمة التعريب الحديثة هذه.

وفي ضوء حاجة المجتمعات المحليّة، والغربية والاوربية الى مثل هذا النوع من الفن، واحترافه كمهنة للمترجمين، سواء اكانوا محررّين ام شفوّيين، ينبغي الوقوف عند هذا العلم.. الفن.. ولو من باب المصداقيّة والقيمة الثقافيّة، لا الاحتراف، والنظر بعينٍ واعدة لأهمية إكمال مسيرة الأجداد من بلاد سومر، مروراً بالعصور الذهبية، وحتى العصر الحالي ومتطلباته الثقافية والأدبية والحضاريّة، وتطوير هذا العمل ونوعيّته المتميّزة والمنفردة، حيث تتجلّى أهدافه السامية ومن خلال عبارة “المصداقيّة والأمانة” في نقل الحرف، والمعنى، والأثر الثقافي.

وبالتالي، يكون اعتماد مكاتب الترجمة على الترجمة الاليّة بشكلٍ كلي لتحقيق الأرباح وكبديل تقني لحرفيّة المترجم هو نصب واحتيال على الزبون اولاً، وتجريح للمهنة ثانياً، وإهانة لصاحب المصلحة، ثالثا..

أتمنّى لكل من يهوى الترجمة ان يسعى الى احترافها رغم صعوبة اتقانها، وترسيخ الاهتمام بدراستها او متابعة دراساتها وورشات عمل تطويرها والتدرّب عليها، وسبل اتقانها، لما لها من أهمية إنسانية وحضاريّة وثقافيّة والتي تدعم وبالتأكيد التطور الإنساني والعلمي، والطلبة والكتّاب والمساهمة في إغناء الثقافة والانفتاح على ثقافات الشعوب والتعلّم منها، فهي ببساطة احدى مهن العصر، وخاصةً في الوقت الحالي، حيث الاعداد الكبيرة للمهاجرين الى الدول الغربية والحاجة الى الترجمة كمرآة صادقة تعكس تفاصيل أسباب الهجرة والمشاكل الصحية والنفسية لتلقي المساعدة والعلاج، سواء بحضور المترجم شخصياً، او عن طريق الأجهزة السمعية والبصرية عبر شاشة الحاسوب، او الهاتف.

المقال السابقمحاولة التحليق وليس التحديق
المقال التالىرقعة الشطرنج
دينا فاضل فيضي مترجمة وكاتبة مواليد 1969، بكالوريوس ترجمة، كلية الآداب الجامعة المستنصرية، بغداد 1991. صدر لها كتاب مترجم بعنوان "سلفادور دالي" عام 1993 دار الحرية ضمن مطبوعات مكتب عدنان أسود للهندسة الاستشارية. لها العديد من المساهمات الأدبية والشعرية في مجلات ورقية ومواقع ثقافية متنوّعة. عضوة لجمع....
المزيد عن الكاتب

7 تعليقات

  1. من الطبيعي اصبحت البرامج الجاهزة المجانية و التطبيقات منافسة للعديد من المهن و نحن في عصر الكم ينتصر على النوع، لكن ليس لكل من يملك قلم كاتبا او من يمتلك كامرة متطورة فهو مصور فوتوغرافي فنان ، يبقى فكر الانسان و ابداعه معين لا ينضب يغذي مهنته ، ابدعت في التعبير بطرح مشكلت مهنتك و الدفاع عنها ، فسياتي يوم تعاني كل المهن من شبح الخدمة المجانية ، لكن كما ابدعت في مقالتك ستبدعين في عملك تحياتي

  2. عاجزة عن الشكر اخي العزيز، وقد أبرعتَ في وصف جوهر هدف المقال “شبح الخدمة الالية للترجمة”، والذي يعكس العمق الفكري للمثقف العراقي قلباً.. وقالباً… دمت لنا عزيزي

  3. قرأت مقالتك، شرفتيني يا دينا، صرت اذكر تلك اللحظات التي كنا نترجم فيها سويّة من باب مساعدتك للترجمة، حقيقة الترجمة بالأساس “موهبة” وليست حرفة كلياً، عندما كنت اترجم كتاباً عن الموسيقار بتهوفن، كنت اجد صعوبة في اختيار الكلمات لكي تعبر عن القصد رغم ان ترجمتي هذه بقيت معلّقة.. ها ما ورد في خاطري عزيزتي.. استمري وأتمنى لك النجاح الدائم، وهنيئاً لك. والدك، فاضل علي فيضي

اترك رد