التوازي وتعدد المستويات والتكامل

 

التوازي وتعدد المستويات والتكامل
في رواية ” صياد الملائكة ” للروائي هدرا جرجس

نجح الروائي ” هدرا جرجس ” في صنع التوازي بين مستويين في السرد ، فالمستوي الاول يعكس من خلاله حركة المجتمع وذلك من خلال حنا بطل الرواية والذي يقوم بوظيفة المراقب والذي يتفاعل مع المجتمع بشكل نسبي والمستوي هو المستوي الذي يعكس من خلاله رؤية بطل الرواية حنا والذي من خلاله نجح الروائي في طرح فلسفته ورؤيته ، هذا التوازي والذي فرضه اختيار بطل الرواية المركزي ” حنا ” فهو بطل استثنائي له مواصفات خاصة ، هذا البطل الذي يقع في هذه المنطقة التي بين العزلة والاندماج الكامل مما يتيح له ان يري العالم عن قرب ولكنه لا يحاول ان ان يعرقل الاحداث التي تدور حوله وتؤثر عليه ايضا ولا يحاول اعادة تشكيل العالم من خلال افكاره فقد نستطيع بسهوله ان نعكس المشهد الاول من الرواية ” مشهد الاسد الذي يأكل بني ادم ” علي اجزاء الرواية ،

ان مشهد الافتراس و كما هو موجود بالنص ” واحدة من هذه القنوات كانت تعرض برنامجا مؤثرا عن الاعاجيب التي تحدث في عالمنا هذا ” ومع قراءة النص قراءة متأنية يمكن ان نكتشف وجود الاعاجيب تتكرر في عدة صور مختلفة ونري مشاهد الافتراس تتكرر في عدة مواقف واشكال منها اختراق خصوصية البشر ، مهاجمة الافكار والعداء بسبب اختلاف العقيدة او بدون سبب ، الحرب والعداء بسب اختلاف الرؤي …. الخ .

ان الجنة التي تحتجب عن العيون لاسباب تافهة تكمن في هذه التفاصيل الدقيقة ان المستوي الاول يعتمد اعتمادا كليا علي هذه التفاصيل بينما يعمل المستوي الثاني علي التحديد والتركيز فالروائي يعتمد في المستوي الاول علي الحركة وذلك من خلال الاحداث التي تنمو بشكل طبيعي ولكنه في المستوي الثاني يقدم رؤيته ويطرح فلسفته فالرواية تعتمد علي الشكل الرأسي حيث تتراكم الاحداث وتنمو بشكل طبيعي ولكننا نجد بين الحين والاخر ووفق قواعد قد تبدو فرعية داخل الرواية ما يشبه التعارض لهذا الشكل الرأسي تظهر المقاطع الافقية وهذا ربما يعمل علي تفتيت الحدث ولكن الروائي اجتهد في الحفاظ علي الشكل وعمل علي صنع التكامل وهو ما جعل الرواية تقدم اكثر من مستوي فالاجزاء هنا تتداخل وتتضافر لخلق الكل هذا الكل الذي يحدد القيمة الجمالية للاجزاء التي نجحت في اداء مهامها ببراعة فاكتمل الكيان الروائي ان الرواية هنا تملك مجموعة من المفاتيح التي تستطيع تحويل النص من بعده الحكائي الاول وهو مجموعة الاحداث التي تدور داخل هذه المدينة التي تم رسمها بمواصفات خاصة الي بعدها الثاني وهي البحث عن كل ما هو انساني اصيل افسدته هذه الحياة المصنعة مثل الادعاء وخلق صورة ذهنية طيبة تتنافي مع افعال الشخصيات من خلال المظهر فقط الوصاية علي الاخر وعدم تقبل الاخر عقائديا وفكريا ،

كما ان الرواية تعمل علي تعرية العلاقات الروحية حيث انها اصبحت تتخلي عن هذا الجانب الروحي وتكتفي بالفعل المادي ان هذه الفقرات الافقية والتي هي المفاتيح التي تحول النص او تعمل تكامله تبدأ ب ” ان الجنة التي تحتجب عن العيون لاسباب تافهة ” تكشف لنا هذه الاسباب التافهة التي ذكرناها وهي ايضا تكشف عن التحولات الاجتماعية وتبحث داخل اغوار النفس البشرية عن اسباب منطقية لحالة الازواجية التي يعيشها المجتمع وبالتالي الشخصيات التي تعيش داخل هذا المجتمع وهذا ينعكس في نهاية الرواية كمشهد للضابط مع حنا وهي حالة التفرقة في التعامل بين المسلمين والمسيحيين حتي وان كانت في قضية واحدة ولكن الاهم وهو هذه الفرقة التي تعلن اهم مبادئ صفية هذه المومس المنتقبه وهي ايضا متدينه وتري ان الانسان لو اغضب الله فيجب الا يغضبه طول الوقت لذلك هي ترضي الله بالنقاب حيث تتواري خلف خيمتها كما وصفها الروائي و هنا يقدم الروائي رؤيته لهذه الحالة من الازواجية حيث ينقل لنا مشهد القاء القبض علي صدام حسين ونقل الاقاويل حول ان من تم القاء القبض عليه هو شبيه صدام او دوبلير صدام

” هكذا هي صفية ، حينما تسدل اسدالها وتحكم نقابها تصير واحدة غيرها ، دوبلير اسود ليس له علاقة بمن يقبع تحت الملابس ، فعندما تصدر دوبليرها كواجهة ، لا احد يراها ولا احد يعرفها كأنها تلبس طاقية الاخفاء وهي ما فعلت ذلك الا من أجل هذه اللحظة المقدسة لحظة الاختباء ، حيث تفرض سيطرتها علي سلطان الخارج ، بينما هي داخلها شخص اخر ، يحتمي بستر الخيمة السوداء والتي تنفضها كل ليلة فيتطاير الحياء وتذوب الذنوب كي تتطهر ويعود النقاء لسوادها الحالك ، شيزوفرينيا ، شأنها شأن كل شئ في هذه الايام الغبراء ” والحالة الثانية هو الدكتور دميان والد حنا ” كان يحمل في جيبه دفترا اصفر ، دوما كان في جيب قميصه ، ناحية القلب اعتاد قبل موته ان يدون فيه خطاياه حتي يتلوها بيُسر علي الكاهن في الاعتراف ولم يكن ذلك للتغلب علي النسيان بقدر ما كان نابعا من رغبة حقيقية في ممارسة الدقة اللائقة التي يجب من خلالها ان يتحاسب مع الرب

فكر حنا ان لم تكن خطايا والده امرا تافها ، ينبغي لتفاهتها ان تدون لانها لتفاهتها ايضا جديرة بان تنسي فما حاجته لان يقرأها ، شرب سيجارة يوما تحت وطأة ازعاج العمل . اضطر ان يسب مديره في سره مرة ، شتم الجزار والبقال لجشعهم ورغبتهم في استغفاله لعن غباء ابو الدنيا في لحظة ضيق خاطفة ” ان الطريقة التي يتعامل بها الدكتور دميان مع الحياة ومع الرب طريقة تتناقض تماما مع صفات البشر فهو يحاول ان يتخلص من خطاياه قبل ان تحدث ويتعامل مع الحياة بحذر خشية الخطيئة وهو امر به خوف اكثر منه امرا روحيا فالعلاقة مع الرب تبادلية و ليست علاقة مقتصرة علي الخوف خشية العقاب فالجانب الروحي وهو الجانب الغائب عند شخصيات الرواية جميعهم منصور ووردة وصفية والدكتور دميان والضابط …. الخ ، ولذلك يمكن ان ننتقل بسهولة من البعد الاول الي البعد الثاني حيث رؤية المبدع وهو التأكيد علي الجانب الروحي حيث النقاء حيث الحياة في افضل صورها حياة خالية من التلصص والتأمر و الخداع والعداء والتنكر والاقتحام ، كذلك الوصول الي الجنة لا يكون عن طريق الخداع الذي ربما ينفع في الحياة والذي افسدها واصبح بطلها الوحيد فالجنة التي تحتجب عن العيون لاسباب تافهة هذه الاسباب التافهة تقدمها التفاصيل ولذلك لم يصدق الدكتور دميان او وردة او افراد الاسرة حلم حنا بالجنة المحمولة علي اجنحة الملائكة ويمكن ان نعتبر القصة التي كتبها حنا ورواها لمنصور مدخل اخر للرواية وهي قصة الثعبان وكيفة التأقلم والتصالح مع الحياة والاستمتاع بها اذا الخل عند الابطال هو خلل نفسي ” اسمع
يري الانسان بعينه القاصرة ان كل ما في حياته من آلم ، مجرد حالة طارئة رغم انه لايري ان حياته نفسها كذلك
عارف ليه ؟
ليه؟
لان هناك اختراعا مذهلا ، يشبه حشيش سيجارتك ، اسمه الامل ”

فللرواية اكثر من مدخل ولكن جميع المداخل تعمل علي خدمة رؤية الكاتب فهناك مدخل نفسي ومدخل اجتماعي ومدخل سياسي ومدخل ديني ولكن الكاتب نجح في ان لا يستسلم لاحد هذه المداخل ويجعله مدخله الاساسي لينجح في تقديم رؤية متكاملة وبالفعل نجح في ان يجعلنا نري الحدث من عدة زوايا ومن اجل الاخلاص للمدخل الاهم والارقي وهو المدخل الانساني ، ان مشهد الافتراس الذي تبدأ به الرواية هو ايضا مشهد النهاية وان كان في البداية الاسد يفترس انسان ففي نهاية الرواية الانسان هو من يفترس الانسان وهو مشهد الاقتحام لشقة حنا ومشهد حنا في قسم الشرطة وايضا مشهد الافتراس لم يختفي في الاصل عن الرواية ان صياد الملائكة هو هذا المجتمع الذي يعج بالجهل و الكراهية والتفرقة و الخداع والنفاق والتسلط فقد تتعرض الرواية لازمة موجودة داخل المجتمع وهي معرفة الاخر وتكوين صورة ذهنية عن الاخر من خلال الحكايات المتداولة وتترسخ هذه الصورة في مشهد الاطفال المسلمين الذين يضربون حنا ويقولون له ” يا كافر يا خواجه يا ابن الكلب . قال كبيرهم وبصق علي وجهه . ثم انحني وشده من شعره مقربا وجهه جدا من وجه حنا . القسيس بيركب امك في الكنيسة … هيه مش كدا ؟

وايضا رؤية العامة لحنا ، ان هذا المجتمع يكاد يكون هو البطل المركزي للرواية حيث انه صياد لملائكة تحاول ان تعيش وسط هذا الجنون والعبث . تماما مثل العصفور الذي ترك البراح والفضاء ودخل الزنزانة التي تم احتجاز حنا بها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صياد الملائكة ” رواية”
المؤلف : هدرا جرجس
الناشر : دار الربيع العربي للنشر 2014

لا تعليقات

اترك رد