الفنانة التشكيلية بسمة شيخو .. تطويع فراغات المكان


 

تطرح عمل بسمة مسألة لا يمكن تجاهلها , ألا وهي التجريب كجوهر للإبداع , وفق خيارات واعية , تخترق مسار السائد منها , بإستثارة خيالها , فتؤرخ ضمن حكاياتها والتي هي بالنتيجة حكاياتنا المعاشة حاضراً , و القادمة من تراث شعبي ثري , فعملها تكتسي الكثير من الموروث حيث قصص الآباء و الأمهات و الجدات , و لهذا من الطبيعي أن تنطوي عملها على الكثير من تفاصيل منمنمة تختزن زمناً من المسافات التي يدمج الماض بالحاضر

و لاشك في أن علاقة بسمة مع هذه اللوحة هي علاقة الخاص بالعام , و ذلك بدفع صوت الذات المنبثق من ملامح المكان في مجموع نزوعاتها ليصب في صلب السياق المتلاحم مع مدارات التأريخ , ولا أقصد السياق المؤقت المبني على عروش , بل أقصد السياق المبني على إيقاع الناس البسطاء , الإيقاع المنحدر من ألوان الشمس ,

و لكن هل يجوز الإعتقاد بأنها تتطلع إلى الإنخراط في مفاهيم توافق التحولات المرتبطة بطموحاتها كمسار آخر لا تخشى السير فيه , ففي عملها هذا لاشيئ ينهض غير الزمن , فتوظف فنانتنا هذا الزمن بمهارة تتعلق بعناوين إيحائية على الرغم من صور الراحلين على الجدار , والتي تحمل دلالات مباشرة على الإحباطات الكثيرة التي عانتها , و التي قد تكون لها يد في ذلك , و لهذا إختارت الجراد كإشارة إلى وحدة الوجع مع تخصيص الذات كسبب لهذا الوجع من الضياع الكبير وفقدان الكثير من الأحبة على الأقل إستطاعت أن توهم المتلقي بوجود وجوه مفترضة هي عناوين فرعية لعملها هذا ,

فبسمة تتكفل بتقديم حكايتها أقصد عملها من جوانب عدة و من خلال لغة فنية تؤسس لها تجربة قد تكون بدورها أحد فصولها الداخلية المبني على مساحات من البوح الجميل , فهي لا تسيء الظن بوجوهها الراحلة , و ذلك بإستبصارها لرحم الدوائر الأسطورية و التباهي عبرها كمظهر وعي تاريخي للوجود فهي تستوحي عملها من أشكال سردية في الثقافة الشفوية , و هناك صوت صارخ متداخل

مع العمل يقترب من الذات المحبطة و التي تتحول إلى إجراء يلتهم كل شيء , فلم يبقى هناك إلاها وقطتها و سيكارتها و الكأس الصداح ,

فنلاحظ أن بسمة تكشف عن آلية عمل في ترجمة أزقة النفس ضمن بهاء فني و تكوين جمالي يتطلع إلى حماية النزعات الغائرة في الأشكال الهندسية , و هذا ما يحدث لديها نقلة جميلة من وجهة نظر قرائية عن فحوى الوقائع في العمل , و ما يحصل من علاقة سردية بينها جميعاً , وعلى نحو أخص حين تعمق الفهم لنمطية الراحلين فتجري حواراً صامتاً بينهم , حواراً يتناول المهيمن على الأسوار مع تعدد طبائع و مصائر المعادلة : الراحلون , الجراد , القطة ……. إلخ

فمصدر الإشكال في هذه المعادلة تستدعي القيم التاريخية للمفردات , و في أحسن الحالات إفراز مفاهيم تنفتح على الطرح الشاقولي للخاص المقترن بالأمس حيث الإحباط في كل فسحات الزمن بما فيها الزمن المحروق بالأحمر , فهي تتحرك وفق التحولات العميقة لا وفق العصا السحرية , لهذا بسمة ترتقي بالزمن الحاضر إلى زمن مشترك بالخروج من محافل الوجع والتعب

و بقدر كبير من البساطة , فحين تلون قطتها بالسواد فهي بذلك تحدد سؤالها بترسانة من إشارات مهمة تمارس بدورها مهمة في بناء العمل الفني رغبة في تخطي كل الهواجس التي تندرج في أنساق التفكير .

فبسمة تستوعب الممكن و المحتمل و لهذا تقوم بتطويع كل الفراغات في المكان ضمن إستكمال كل مقتضيات التخييل و بالترابط مع إنتاج و خلق تواصل ما بين الموروث والمعاش , و هذا ما يولد إزاحة و تداخلاً في بناء اللوحة , و بالقدر نفسه تعيد في رسم
التفاصيل التي تذكرك بإيحاءات مسرحية ,

لا تعليقات

اترك رد