الحزن لعبة عراقية

 
(لوحة للفنان مراد ابراهيم)

مدّ يده صوب الجدار
كحفّار قبور لا يرى سوى الجثث الهامدة
مدّ يده صوب الطّمي حين ضحك النّهر
أطفأ الماء والأضواء
وعلّق الأستار كي لا يلعب فوق الخشبة سوى القاضي والسّمسار
راقص ليلتها بغداد
وزّع أوراد الحرية على القبائل العربية
وأسكت عيون الأطفال..
ليفي شتراوس..
هل كنت بغداديا إذ كتبت “مدارات حزينة”
الحزن لعبة عراقية بامتياز
مقام موسيقي لا يجيد العزف فيه سوى حزينٍ على مرايا دجلة والفرات
كنت سوف تكون عراقيا حزينا
لو شمّرت عن ساقيك ولامَسَت رجلاك ماء دجلة
كنت سوف تكون متنبّئا جديدا
لو حجزت سطرا في قصائد الصّحراء
وألغيت كل الطرق إلى الأدغال..
العطش البئيس ينسج جروحا خفيفة في مسارات النّهرين
لم تعد الأطلال فاتحة القصائد
الأطلال مدن تمرّ كل يوم على جسر النّهايات
هل بقي تراب على أرض الحدائق المعلقة
أخبروني أنّ الورود تشتكي فقدان الغبار
لا أصدّق أنّ بغداد لم تعد فيها مشاتلٌ للحياة
كنت كل صباح أطل على الشّارع من أبواب الأساطير
وصديقي الذي مات قرب الجسر يعزف على العود
والعجوز على شرفة العمر يسقينا مشروب “زبالة”
كان الصّباح فرصة لعودة العبّاسيين
أفتّش فيه عن كتاب غاب عن الرفّ
أسرق زمنا منفلتا من بابل المعلقة
تعزفه أنامل “بشير”
هل ماتت بغداد إذ قتل الحصار “بلقيس”
لقد مرّت من هنا تحت معطف الشّعر
هاربة في فرحٍ من بكاء نيزار
آه…. كم يفرح الشّعراء كلما تذكّر نيزار صوت بلقيس
متلفّعة بالحواري القديمة تهديه وطنا ليس للعشق
وأزمنةٌ للحب حين تموت الحياة في رمق الإنتظار
بغداد.. أنثى كل الشّعراء
موتتهم الأخيرة
سمواتهم التي لا تلد سوى الأحلام والمسافات
تُسدل الأستار..
تهرب بغداد كلما تخفّت بلقيس من جنون نيزار

لا تعليقات

اترك رد