مقامة – بين النعجة والأمعة

 
(لوحة للفنانة ليلى العطار)

…..وتدور بنا عجلة الزمان ؛ و يتقدم العلم و العمران ؛ و تزدهر الاوطان و البلدان ؛ يتطور الانسان في كل مكان ؛ الا في ارضنا المنكوبة وشعوبنا المغلوبة ؛ العالم يسير بالعلم و العقل ؛ ونحن نسير بالذبح و القتل ؛ العالم يبني و يطور ونحن نخرب و ندمر ؛ العالم يتوحد بالرغم ما يجعلهم مختلفين ؛ ونحن نتفرق بالرغم ما يجعلنا متوحدين ؛ و موجز الكلام يا سادة يا كرام ؛ ان الامر ليس كله سوء بل اسوء من السوء ؛ وقد يسأل سائل عن السبب في الحاصل ؛ في هذه الدوامة المريعة الفظيعة التي اوصلتنا الى هذه الدرجات الوضيعة . كنت مثلكم جاهلا بالسبب الى ان اخبرني المرحوم جبر بن رجب ؛ حيث
قال : ساقول لك بما لا يقال .
قلت : يا عم و لم تقول ما لا يقال ؟
قال : لان صبري على كتمانه محال ؛ و المصيبة للجميع ستطال ؛ و على كل حال ؛ ساخبرك ولكن اياك ان تبوح بالسر الا بعد وضعي في القبر . و كما تعلم فاني عشت رجبا و رايت عجبا ؛ بالرغم من ان بعض قصار النظر يقولون ان جبر من رحم امه الى القبر ؛ دلالة على جهلي بالامور ؛ و ما يحدث من حولنا و يدور ؛ لكني بعد الحلم الذي رايته تيقنت بان ما ترونه بعدي اكثر عجبا بل واكثر هولا و رعبا .
قلت : و يحك يا جبرما الامر فقد اضطرب العقل و تبلبل الفكر.
قال : اسمع …..جائتني النعجة دوللي في منامي ؛ و اخبرتني بفصيح الكلام ؛ أِن الاوان آن لظهور هيّان بن بيّان في هذا الزمان و ليس في آخر الزمان ؛ وعندما سألتها من يكون هيّان بيّان وهل هو انس ام جان ؛ اخبرتني قائلة :
هيّان بن بيّان ؛ انسان مجهول الاب و النسب ؛ و الاصل و الفصل ؛ ليس له تاريخ او عنوان ؛ كان على مر الزمان مثل الهرّ يأكل طعام العميان ؛ و مثل ابن اوى يسرق دجاج الجيران ؛ وكان يرضى بالذلّ و الهوان ؛ و الضرب بالشلاليق مقابل قروش و فلسان ؛ سرواله بلا هميان ؛ و لباسه بلا قمصان .
و كما اختاروني كاول حيوان يتم استنساخه من خلايا حيوان ؛ اختاروا هياّن بن بيّان ….قاطعتها
وقلت : وكيف يقبل اهل العقل بهذا الامر الخطير ؛ وكيف يقوم اهل العلم بهذا التدبير ؛ دون وازع من ضمير ؛ ثم ما الغاية من استساخ الامعات و النكرات ففد رزقنا الله منهم زمرا و جماعات ؛ وكما قال المتنبي :
لا تغرّنك اللحى و الصور……….تسعة اعشار من ترى بقر…قاطعتني بضحكة و قهقهة
قائلة : كم انت ساذج يا جبر ؛ تسأل الأميّ عن الهندسة و الجبر ؛ الا تعلم ان العلم و المال اسيران بيد من ليس له ذمة و ضمير؛ من يتحكم بقر الشعوب و المصير ؛ ان الامر يا جبر اكثر من خطير ؛ ارجوك لا تقاطعني واسمع ما اقول ؛ لان في الأمر ما يهول .
قلت : لكِ ما تريدين واكملي ما تشرحين .
قالت : علمت ان نجاح استنساخي بداية لاستنساخ البشر؛ من اهل السوء و الجهل و الشرّ ؛ و الغاية تدمير البلدان و تقسيم الاوطان ؛ ونشر الفوضى و البلابل و الاضطرابات و القلاقل ؛ و سفك الدماء و قتل الابرياء ؛ و تسليم مقاليد الأمورلأهل الكفر و الفجور ؛ ولن يقوم بهذا الامر الا الجاهل السيئ من اهل الشر ؛ وهيّان بن بيّان هو النموذج المختار من قبل لجنة الاختيار ؛ كاول انسان يتم استنساخه من خلايا انسان و حيوان ؛ وحتى يصنعون منه النموذج الامثل ؛ حسب المخطط المفصل ؛ و خوفا من عودته الى انسانيته بحكم الطبع و التطبع او خلل فني في الاستساخ و الطبع ؛ فقد جرده العلماء من خلايا الفضائل وابقوا فيه كل خلايا الرذائل ؛ وزرعوا فيه خلايا من مجموعة من الحيوانات البرية و البحرية ؛ المنقرضة منها و الحية ؛ الفقرية و اللافقرية ؛ المجترة و غير المجترة ؛ القاضمة و المفترسة ؛ الاليفة و الشرسة ؛ القشرية منها و اللاقشرية ؛ حيث اصبح صديقي في الاستنساخ هيّان بن بيّان ؛ هيئته هيئة انسان لكن بطبائع أسوء انسان و اتعس حيوان ؛ واطلقوا عليه رمزا سريا باسم (سوبر حيوان ) ؛ كانجاز علمي يشار اليه بالبنان ؛ و تطبيق لنظرية علمية جهنمية في الواقع و الميدان ؛ وهو من يقوم بالطيش و الحماقة بخلق الفوضى الخلاّقة . و استنسخوا منه الالاف لغرض التحالف و الائتلاف ؛ مع السفلة و الاجلاف ؛ من الشعوب الجاهلة لتنزل بهم الغائلة . لذلك لا تتعجب ان وجدت هيّانا على شكل ديّوث خالي من الغيرة و الخجل ؛ وهو يرى ما يحل بالوطن و الاهل ؛ لان له من الخنزير صفة لا تعرف شرفا او عفة ؛ وان وجدته نهاشا غدارا فتذكر انه يحمل من الذئب شعارا ؛ وان وجدته ماكرا يراوغ ؛ فاعلم انه ارث من الثعلب المراوغ ؛ وان وجدته كالاثول فان به ما يكفي من الثول من تيس الجبل ؛ وان رايت دموعه عند التهام الضحية فاعلم انه يحمل من التمساح وصية ؛ وان وجدته كالطفيلي فاعلم ان به الكثير من صفات القرادة و القمل ؛ وان وجدته كالنسناس يرقص على صوت الدف بين الناس ؛ فاعلم ان اصله من القرود السريعة الحركة و التقليد ؛ شديدة المكر و الخديعة و الحذر و المكيدة ؛ و يجتر الوعود و الكلام مثل اجترار الاغنام ؛ يتلون و يتقلب مثل الحرباء ويلسع مثل مثل السوداء و الصفراء ؛ ويلدغ مثل الثعبان ويلتهم الاخرين مثل الحيتان و يرفس اهله مثل المطي وهو لصانعه مطية لان فيه من الحمار مزية .
انظر واعتبر يا جبر وبالأمر دقق و فكر ؛ لقد اعلنوا عني في الاخبار و المصادر وفي المواقع و المنابر ؛ و نشروا صوري في كل البلاد واطلع عليها كل العباد ؛ لكنهم سيقتلونني بعد ان نجح الاختبار ؛ و ساًحنط و اُوضع في احد المتاحف ليسدل على الستار ؛ اما هيّان بن بيّان ؛ فلم و لن يعلن عنه ابد ؛ و لا يعرف سرّه احد ؛ و سيظهر في بلدانكم عن قريب على شكل زرافات و جماعات و وحدانا ؛ اشكالا والوانا ……ها ….لقد نسيت ان اذكرك بأية هيئة يظهر ؛ حذار ان يغرنك الشكل و المظهر؛ و الكلام كثير و الوقت قصير ؛ و اللبيب من الاشارة يفهم و الجميل في حسنه لا يُعدم ؛
كان هذا الكلام قبل عقدين من الزمان ؛ لم يكن شطحة خيال او زلة لسان ؛ و لا حلما من الاحلام ؛ بل تنبأ بها جبر بن رجب ؛ و لكن حلّ ما حلّ ؛ بعد ان تحامق و تغافل او استكبر و تجاهل ؛ من بيده العقد و الحل ؛ ومن لم يهده قليل الاشارة لم ينفعه كثير العبارة .

المقال السابقحراك الريف بالمغرب – ج2
المقال التالىإنها ثمار الواقع المأزوم
الشاعر زاحم جهاد مطر من مواليد بغداد. حاصل على بكلوريوس علوم عسكرية. خبير في شؤون الالغام. له العديد من المؤلفات التخصصية العسكرية. كتب القصة والمسرحية والمسلسل التلفزيوني .ـ وكتب الملاحم الشعرية والمقامة والهايكو. صدر له الجزء الاول (مقامات)ـ وكذلك الجزء الثاني ( مقامات معاصرة).ومجوعة شعرية ( بكاء ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد