لتظللنا دائما غيمة الفرح


 

“لتظللنا دائما غيمة الفرح” بهذه الجملة أهداني الروائي المصري المقيم في روسيا “أشرف الصباغ” رواياته الصادرة مؤخرا عن “دار الآداب”، ابتسمت لمجرد قراءة الإهداء لأنني شعرت بأن “الصباغ” أوقعني في فخ نصبه من أجلي!، وبدى لي الأمر أن بكتابته رواية بعنوان “شرطي هو الفرح” أنه نجا بعقله ووجدانه من ظلمات عمق مصطلح”الفرح” الغامض لتوه، ليجذبنا نحن القراء إلى رماله المتحركة لنخوض تجربة السقوط بفردنا لمواجهة.. الفرح!.

ولعل الرواية أذابت الشكل الهندسي الروائي التقليدي من الداخل بمحو الفواصل بين الشخوص والحيز المكاني والزمني، وارتفاع صوت الراوي الرخيم أضفى على الرواية حنينا ما وحزمة من القيم الإنسانية أصقلت بمرور الأحداث وقفزاتها بين (القديم والحديثمن جانب والأسطوري والواقعي من جانب آخر) البطل بسائل زجاجي انعكس عليه عالم الرواية بكل تفاصيلها وابعادها و”ما تم حذفه منها أو الصمت عنه” في كثير من مراحل السرد، وفي أخرى تماهى في سائله “البطل”، وشف وبدى يتحرك في خفة متنقلا بين الحيز “المكان/الزمن” بحضوره الثقيل إلى آخر صفحات الرواية التي لا تتجاوز الـ”143″ صفحة من القطع المتوسط، وفي تكوينات سردية أخرى تميل للمشهدية الدرامية إلى حد ما يتحرك”يوسف/البطل” بعالمه الخاص ويحققه، ولعل رحلته في فلوكة صغيرة أبرزت دقة ترتيب “الصباغ” لأحداث الرواية ومرونة بناء مشهده على وجه نهر النيل مثلا والذي بدى في الخلفية كبطل أسطوري صامت!.

“يوسف” ذلك الشاب المصري الثوري الذي رأى بأم عينه حلمه وهو يتحطم، ودهستأقدام الطغاة والجباة كل آثار الثورة من الشوارع والميادين، ولم يتبقى سوى ركام الشعارات التي كانت تتردد وحجبها اليوم أصوات تعلو ساخرة على كل القيم الثورية التي ترسبت في وجدان شباب أرادوا تغير الواقع، وكان بطل الرواية واحدا منهم تمتد جذوره في ريف مصر ويحمل في ذاكرته قطع من تاريخ القرية بنمط يختلف عن ما تعودنا عليه في الكثير من التفاصيل رغم الإحتفاظ بالأجواء الريفية المعروفة عن الريف المصري الأصيل، وكانت الأم أحد العناصر الريفية المستحدثة والمؤثرة بشكل أو بآخر في تكوين جزء من المتخيل أو الأسطوري في شخصية “يوسف/البطل” والتي تطفو على الأحداث رغم موتها المبكر في سياق الرواية، كانت الأم في أيامها قبل الأخيرة تنادي الأحفاد بأسماء الأبناء، وتخلط بين أسماء من تحبهم فقط، وفي أيامها الأخيرة كانت تنادي الأحفاد بأسماء الطيور وفي لحظات الإحتضار قالت: لا أريد صراخا ولطما.. أتسمعون، يا كلاب؟! تدفنونني وكل واحد يروح لحاله. وافتكروني بالفاتحة.. هذا إذا افتكرتوني! وماتت!.

مابين اختيارات البطل في رحلته والرهان على الخلود أم الوجود يناقش “يوسف” أفكار يتوهم الكثير أنها ثوابت لا يمكن المساس بها ويقول”لقد خُلق العالم في البداية بسيطا وجميلا بعلاقات غير مركبة ولا صواريخ أو قنابل أو انترنت ومواقع تواصل اجتماعي. يبدو أنهم كانوا يتصورون أن الأمور ستسير كما خططوا لها، وسيقتصر الأمر على رجل وامرأة وبعض الحيوانات البدائية ومساحات من الخضرة والماء. لم تراودهم عندما جلسوا واتفقوا ثم خلقوه، حتى فكرة أن تكون هناك بارات بهذا الكمال المعماري خارجيا وداخليا. لم يتصورا أن العقل الساكن في هذه البارات يمكنه أن يصمم أنساقا معمارية بديعة، يسجد ويركع لها، لينفخ فيها من روحه فتنهض بمحض إرادته ويكتمل العالم دون قبح.. لم يكونوا يتصورون أن يتطاول هذا المخلوق عليهم أو يقترب من ذلك المشروب الذي يفضح الأمور والأشياء والروايات والخرافات..

لقد جلسوا واتفقوا وخلقوا العالم في أحسن حال وصورة. ولكنهم قرروا تركه لمصيره إلى أن يستريحوا قليلا من عناء المغامرة. وفي حال تعقدت الأمور، فمن الممكن إرسال رسول هنا ونبي هناك. وإمعانا في حبك القصة، قرروا أن يستثنوا النساء من النبوة والرسالة لأسباب قد تكون تقنية من وجهة نظرهم. لكن العقل البشري العنيد تحايل على “الحدوتة”وصنع امرأة، بينما العقل الخامل رأى صورتها المقدسة، فراح يذبح معادلها الموضوعي والواقعي وقتما شاء، ووفقا لتعاليم القصة أو الحدوتة المتكررة مع قدوم كل نبي ورسول”.ليثير الأسئلة الكبرى ويترك الإحتمالات لمصيرها!.

تشي رواية “شرطي هو الفرح” على دور مؤثر لللغة البصرية في حياة “الصباغ” الإبداعية خصوصا أنه كتب الشعر ويبدو أن الصورة تلعب دورا في مساحة أرحب، حيث تكتشف مع قراءة النص أن إلتقاط الصور المكثفة التي ألتقتطها عين الكاتب المدربة بعناية فائقة امتزجت بزمن بإيقاع خاص احتوى اللحظات الإنسانية وبث فيها الروح ووهبها خلودها السردي، خصوصا أن زمن الرواية انقسم إلى قسمين “قديم/حديث” على مستوى الحيز المكاني وعادله مستوى زمني آخر على مستوى الشخوص تبادلوا الدلالات ما أضفى على العمل بشكل عام بريقه المسحور.. يحكي”يوسف” في احدى فقرات الرواية”سيدي الخراشي يقف على تبة صغيرة أقل ارتفاعا من الهضبة السوداء بأحراشها المظلمة دائما، حتى في ضوء القمر وفي نور الشمس بأشجارها ونباتاتها الشيطانية والأصوات التي تصدر منها ليلا ونهارا في كل أيام السنة. يقف المقام على شبه جزيرة.تصلنا به قنطرة ترابية كلسان يابسة رفيع لا يعرف أحد من أنشأها ومتى! لا أحد يستخدم فرع النهر المحازي للهضبة، لا للعوم أو لري الأرض. يقولون إن المياه التي تمر من هذا الفرع ملعونة. يمنعون الأطفال من الاقتراب من شجرتي السنط والنبق الواقفتين، هناك، مقابل الحرش من الجهة الأخرى القريبة من المقام.

رحلة “يوسف” لم تنتهي بعد وكأسه في البار مازال يمتلئ وجسره المضئ بالأحداث ينمو في اتجاه الأبد. الجسر الذي مشت عليه أقداره منذ أن وجد في قرية مصرية داخل منزل سيطر عليه الجد”الدكتاتور” جاحد الطبع، وصادف المرأة “العضاضه”، ومحفوظة”حبيبته الأولى” التي أخذته إلى النهر الملعون لتلاطف جسده المرتعش، رحلة “يوسف” هي الأنية وبؤرة تلاقي الماضي والمستقبل، هكذا يمتص العالم من حوله “يوسف” بعد أن هبطت عليه “فليسوفة” من حيث لا يعلم واقتحمت عليه عالمه في احدى بارات القاهرة لتلقنه درسا عميقا إذ قالت له: “شرطي هو الفرح”.

لا تعليقات

اترك رد