علي كريم: أول الفلسفة سؤال! – ج١

 

 لا يمكن أن أستحضر براغ أو دمشق في ذاكرتي إلاّ ويقفز إلى ذهني، زملاء وأصدقاء وأحبّة، كانوا بالنسبة لي جزءًا من سرديّة المكان وسرديّة الزمان في الوقت نفسه. ومن بين هؤلاء الدكتور علي كريم سعيد (زاغي). وعلى الرغم من إنني لم أزر دمشق الحبيبة، خلال السنوات الأربعة الماضية ، لكن طيفها لم يفارقني. أما براغ فإنني أتردّد عليها بين حين وآخر وإنْ ابتعدتُ عنها، فعلى الكراهية أيضاً. بين دمشق وبراغ علاقة حميمة على حدّ تعبير الشاعر الكبير الجواهري، الذي عاش مثلما عشنا علي كريم وأنا في المدينتين الرائعتين.

ولا بدّ من كلمة سريعة في المدينتين اللتين وقعنا نحن الثلاثة في حبّهما وتطارحنا معهما الغرام، وهما يبادلان المحبة بالمحبة والرفقة بالرفقة والصداقة بالصداقة، فدمشق “الشام” ومدينة الياسمين والغوطة التي تحتضنها قال فيها المؤرخ ياقوت الحموي ” ما وُصفت الجنّة بشيء، الاّ وفي دمشق مثله” وكتب الشاعر نزار قباني قصيدة يقول فيها : كتب الله أن تكوني دمشقا/ بك يبدأ وينتهي التكوين.

المدينة ذات التاريخ العريق والتي تعتبر من أقدم المدن في العالم والمعروفة قبل 2000 ق.م بـ “داماسكي” وقبل ذلك تيمساك أو تيماسكي أو دمشقا أو دمشقو (وتعني المكان الوافر بالمياه) وبعد الفتح الإسلامي عُرفت بدمشق الشام تمييزاً عن غرناطة في الأندلس التي سمّيت بدمشق العرب، وحسب التنقيبات الجيولوجية والآثار فإن غوطة دمشق ووادي نهر بردى كانا مأهولين بالبشر منذ نحو عشرة آلاف عام ، وضمّت المدينة أضرحة يوحنّا المعمدان – يحيى_ في الجامع الأموي وضريح السيدة زينب وأم سلمة وحفصة بنت عمر الخطاب وبلال الحبشي ونور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس ومحي الدين بن عربي والفارابي، مثلما دفن فيها الجواهري ومصطفى جمال الدين وهادي العلوي وعبد اللطيف الراوي وعبد الوهاب البياتي وعلي كريم، وشاء القدر أن تضم قبر والدتي أيضاً.

أما براغ وتكنّى بالمدينة الذهبية وتُعرف بمدينة المئة برج، لكثرة الأبراج فوق كنائسها وقصورها، وقد تأسست المدينة في أواخر القرن التاسع الميلادي وازدهرت إبان حكم الملك تشارلس الرابع، الذي بنى جسر جارلس (الحجري) وجامعة جارلس العام 1348 وهي من أقدم الجامعات في العالم ، عرفت الكثير من المشاهير ، منهم العالم اللغوي كومنسكي مؤسس اللغة التشيكية الحديثة وعالم الوراثة ميندل والروائي فرانس كافكا والروائي ميلان كونديرا،وبتراجشك المستشرق الكبير الذي ترجم القرآن، والموسيقار دفورجاك، كما اشتهرت براغ بالمسارح، مثل مسرحها الشهير ” المسرح الوطني” والمسرح الأسود واللاتيرنا ماجيكا ” الفانوس السحري”، وغيرها وامتازت بكاتدرائياتها القوطية وبنائها المعماري القديم، من الفن الباروكي وعصر النهضة والفن القوطي، إلى الفن الحديث.

وكنت مؤخراً في رحلة استشفاء إلى جمهورية تشيكيا وبصحبة صديق عزيز هو الدكتور عصام الحافظ الزند، الذي اصطحبني إلى مصحّ ” بودي برادي“، وفي حين كنتُ مستغرقاً بالتفكير في ذكرياتي ” الغالية”، وإذا به يفاجئني بسؤال مثير كعادته: متى تكتب عن علي كريم؟

شعرتُ إن الزند وهو يداهمني بسؤاله، كأنه كان يقرأ أفكاري، فبراغ التي قضيتُ فيها فترة من شبابي ” الأول”، ظلّت تلهمني بالكثير من القصص والحكايات والنوادر والحِكَمْ، التي كنت أستعيدها مع نفسي، ومع الأصدقاء باستمرار، ومنها العلاقة مع أصدقاء رحلوا عن دنيانا، منهم موسى أسد الكريم (أبو عمران) وغازي فيصل وشمران الياسري (أبو كاطع) ومحمود البياتي وعلي كريم ومؤخراً عباس عبيدش وغيرهم.

جمعتني مع علي كريم مدن ومناطق وحارات، وأفكار وسجالات ومواقف، فقد عرفته في النجف في محلّة البراق، وعلى نحو متقطّع إلتقيته في بغداد في مطالع الستينيات من القرن الماضي، ولكن معرفتي الحقيقية به كانت في دمشق، ومن ثم في براغ، في السبعينيات، وبعد ذلك التقينا في الجزائر وفي مدينة لايدن الهولندية حيث أقام، وفي لندن، حيث كنت أقيم. وكان “رفيق” علي كريم ” الدائم” وصديقه الحميم هو السؤال، وأول الفلسفة سؤال كما يُقال، وكان ذلك طريقه إلى المعرفة، ولأن الأسئلة كانت تتوالد لديه، فقد اختار دراسة الفلسفة في جامعة دمشق.

قلتُ له في النصف الأول من السبعينيات في دمشق وبعد مكاشفات ومصارحات وهموم، لماذا لم تصبح شيوعياً؟ قال أنتم السبب، قلت ولماذا؟ قال لأنكم لم تدركوا مزاج الناس، ولاسيّما وهم في أول الطريق، فقد أرسلتم لي من لا يستحق “اللقب” في حين أن الصورة لديّ ” مثالية”، فأعرضتُ عنه وعن الذين يمثّلهم، مع إن أجواء العائلة كانت مع اليسار، كما تعرف.

وسألته متى أصبحت بعثياً؟ فأجابني بعد العام 1963 وسقوط تجربة البعث الأولى، وأضاف تصوّر أنا المعجب بمحمد موسى التتنجي أتوجه إلى حزب البعث بدلاً من الحزب الشيوعي. وبالمناسبة فمحمد موسى كان أحد الأبطال الشعبيين، الذين يمثّلون رمزاً شجاعاً للشيوعية في المدينة، وقد استشهد تحت التعذيب في العام 1963، وأُخفيتْ جثته ولم يظهر له أي أثر، وكان قد تعرّض للتعذيب في النجف والحلّة وبغداد.

لقد اختار علي كريم، حزب البعث بعد الإطاحة بحكمه لينضمّ إليه، وليس عندما كان في السلطة، وقد تكون تلك إحدى مفارقاته ، وكما أخبرني بأنه انشغل مع أصدقائه ومعارفه من البعثيين ومن بينهم مهدي الشرقي وحمد القابجي وصدقي أبو طبيخ بمراجعة التجربة ونقدها، وهو ما أقنعه بالمسار الجديد كما قال، ووجده وسيلة للتعبير عن طموحه وآماله، لأسباب تتعلّق بإيمانه بالوحدة العربية والموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية، ولكنه حتى وإنْ كان في ذلك الموقع، فإنه كان يتطلّع إلى يسار أكثر راديكالية، خصوصاً في قضايا التحوّل الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وهو ما كان يطلق عليه ” الاشتراكية العلمية”، في موجة يسارية عارمة على صعيد الكثير من الحركات القومية والوطنية.

وفي المسائل التي يشتبك فيها الشيوعيون مع البعثيين، لم يكن ينحاز بطريقة مسبقة، بل كان يميل إلى الحقيقة أحياناً، كما يتصوّرها، سواء ضده أحياناً أم معه، فلم ينظر للمسألة من زاوية تعصّبية ضيقة، وإنْ كان لا يجاهر بها أو يعلنها صراحة بحكم الالتزام الحزبي، لكنه يهمس بها هنا، ويسرّبها هناك، وتلك مفارقة ثانية، خصوصاً عندما يتعارض فيها الأكاديمي مع السياسي لدى علي كريم، ويتناقض السياسي مع الحزبي، والحقيقة على ما سواها من التنظيرات والتبريرات.

قلتُ له في أحد المرّات أنه كيانياً وعاطفياً مع حزب البعث، وشعورياً وعقلياً أقرب إلى اليسار والماركسية، وقد استحلى تلك الفكرة، وأضفتُ أنت تجلس على مقعد وتتطلّع إلى مقعد الآخر، وكنتُ أشعر أنه يجد راحة له وطمأنينة أكثر بمثل هذا الاستبدال أو التناظر، بل إنه لا يجد غضاضة أو تناقضاً فيه، بقدر ما هو تفاعل وتواصل وتكامل، لاسيّما في البحث عن الحقيقة.

والحقيقة عند علي كريم ليست مقدّسة بذاتها، إنها سؤال قد يقود إلى رحلة مضنية، وتلك الرحلة في البحث عن الحقيقة هي الأكثر جدارة وصدقية والأقرب إلى روح علي كريم، حتى وإن كانت تعني تخلّيه عن راحة البال، فالبحث عن الحقيقة يستوجب مثل تلك التضحية التي كان يشعر بمتعة خاصة حين يقاربها حتى وإن امتزجت بالألم. لا توجد حقائق ثابتة أو سرمدية لدى علي كريم، فقد كان مسكوناً بالشك الديكارتي، والشك هو طريقه للمعرفة .

لا أدري إن كان علي كريم قد قرأ عبارة كافكا ” العيش في الحقيقة” التي استخدمها في إحدى رسائله أو يومياته، وعادت وتكرّرت لدى كونديرا حين استخدمها في روايته الرائعة ” خفّة الكائن التي لا تحتمل “ ولكنني اكتشفت وأنا أراجع كتب فاسلاف هافل التي أعارني إياها عصام الحافظ الزند، وهي : كتاب مفتوح إلى غوستاف هوساك، وكتاب ضمّ مسرحياته الثلاث في فصل واحد ” المواطن فاينك”، أما كتابه الثالث فهو بعنوان ” قوة المستضعفين” الذي يتحدث فيه عن ” العيش في الحقيقة” كوسيلة لمقاومة الوهم ورفض الزيف في نظم ما بعد الشمولية.

والثلاثة كان يهمّهم أن تكون الحياة حقيقية بعيداً عن الإكراه والقسر والتدليس. وقد يكون ذلك هو ما قصدته من بحث علي كريم عن الحقيقة، التي كان يتمنّى أن تنطبق مع قناعاته وآرائه، مع إن الشك يملأ قلبه، فيما إذا كانت الحقيقة بلا رتوش هي التي قصدها أم قريبة منها، وكم كان يقلق فيُهاتفني ليلاً ليسأل عن حادث ما أو اسم ما أو يصحح رأياً ما أو يعدّل استنتاجاً ما، خصوصاً عندما كتب عن ” البيرية المسلحة” ”

مفارقة ثالثة امتاز بها علي كريم، فهو وإنْ اختار التيار القومي بعاطفته وقد يكون بوعيه لاحقاً، لكّنه ظلّ مشدوداً إلى التيار اليساري الماركسي، لا بعقله فحسب، بل بحكم اشتباك علاقاته، خصوصاً وقد كان يعيش بأجواء يسارية: عائلته وأصدقاؤه وجيرانه، ناهيك عن وضعه الاجتماعي، لكنه فضّل البعث على سواه، حتّى وإن ظلّت عينيه تتطلّع إلى الآخر، بل وترنو إليه، فقد كان يميل إلى جوار الأضداد وحوارها.

وأعتقد إن جيلاً من البعثيين واليساريين تأثر بأفكار ياسين الحافظ، لاسيّما المزاوجة بين العروبة والقضية الاجتماعية، مثلما ترك الياس مرقص في قراءاته غير التقليدية للماركسية في وقت مبكر تأثيرات بالغة الأهمية على الحركة اليسارية والشيوعية ، على الرغم من اليقينيات التي كانت سائدة والجمود العقائدي المتحكّم ، وبقدر ما ينطبق الأمر على علاقة علي كريم باليسار، فإنه ينطبق أيضاً على نظرته للتيار الإسلامي وعلاقته به .

امتاز علي كريم بشجاعة وإقدام كبيرين، حتى إنه كان يتسلّل من سوريا التي كان فيها لاجئاً إلى العراق لكي ينقل بريداً حزبياً، أو يتّصل بعدد من العوائل البعثية اليسارية المقطوعة، ليوصل إليها بعض المساعدات كما أخبرني، وحصل ذلك معه لأكثر من مرّة، وقد أعلمني أن الأمر كان بتكليف خاص من أحمد العزاوي الأمين القطري للتنظيم العراقي، الذي اغتيل في مكتبه بالقيادة القومية في السبعينيات وفي ظروف غامضة.

قلتُ له ماذا تريد من عملك هذا أو بالأحرى ماذا تريدون؟ قد يكون الأمر مفهوماً بالنسبة لنا : نحن نريد إقامة نظام اشتراكي وفقاً للماركسية ، ولكن ماذا تريدون أنتم هل “استبدال البعث بالبعث”؟ في ممازحة مملّحة، فقال لي أن نجاحنا سيقرّبكم منّا، وعلى أقلّ تقدير فإن وضع الشيوعيين في سوريا وعلاقتهم مع السلطة أفضل من العراق، مع فارق نفوذ الشيوعيين العراقيين .

قلتُ له إن موقفكم من القضية الكردية لا يزال قاصراً حتى بعد بيان 11 آذار/مارس العام 1970، لاسيّما لمشروع الحكم الذاتي، وكان حزب البعث “اليساري” حتى أواخر العام 1971 لم يقرّ صيغة الحكم الذاتي، فقال لي إن في ذلك قيداً من التنظيم القومي مثلما لديكم قيوداً من المركز الأممي، أما علاقتهم مع الأكراد، فهم حلفاء لنا ونحن لدينا علاقات إيجابية معهم.

حين بدأتْ مجاميع مسلّحة تتكاثر في كردستان مع مطلع الثمانينيات أسّس اللواء حسن النقيب بالتعاون مع باقر ياسين الأمين القطري الأسبق لحزب البعث، فصائل الثورة العراقية بدعم من سوريا، وذهب علي كريم وشفيق الياسري وراضي الحصونة وأسعد الجبوري ومحمود شمسه وآخرين إلى كردستان لبضعة أسابيع أو أشهر، وهؤلاء جميعهم كانوا بعثيين ولكن خارج قيادة قطر العراق التي كان يقودها رسمياً عبد الجبار الكبيسي (حازم حسين). وفي تلك الفترة عرّفني علي كريم على محمد عبد الطائي” أبو يوسف” الشخصية المسالمة والراقية، والذي استشهد في مطلع التسعينيات في العراق، وكنتُ قد كتبتُ رثاءً عنه في حينها.

يبتع…..

لا تعليقات

اترك رد