فوضى المعلومات ورهانات الذكاء الاجتماعي.


 

قبل توسع استخدام وسائل التواصل الحديثة كانت المجتمعات تُمارس عمليات مشاركة الخبر او التحليل بصورة سردية أو عبر وسائل الاعلام التقليدية ولكن ذلك تغير خلال السنوات الاخيرة ، حيث تنافس مواقع التواصل الاجتماعي وسائل الاعلام التقليدية وتعج بالصور ومقاطع الفيديو والأخبار بأنواعها الحقيقية والمزيفة. وظهر لهذه المرحلة كتابها ومصوروها ومهندسوها وجنودها “الاليكترونيين” الذين يعملون لهذا الفصيل او ذاك أو بصورة مستقلة لأسباب أيديلوجية او اقتصادية !!

تشير الدراسات المختصة بالإعلام الى تفاعل الجمهور مع “الأخبار المزيفة” بأرقام تفوق احيانا أرقام “الأخبار الحقيقية” كما بينته حملة انتخابات الرئاسة الأميركية الاخيرة ..
وفِي هذا السياق أظهرت أعلنت مؤسسة (buzz feed news) حصول ٢٠ “خبر مزيف” (نشر على مواقع التواصل الاجتماعي) على عدد من المشاركات بلغ ٨،٧ مليون مشاركة مقارنة ب ٧،٤ مليون مشاركة ل٢٠ “خبر حقيقي” نشر على المواقع ذاتها !!

وناقش موقع شبكة الصحفيين الدوليين بحثا نشرته جريدة “فايننشال تايمز عن “الأخبار المزيفة” التي تعاني منها شبكات التواصل وبين فيه الصعوبات التي تواجهها شركات الاعلام في السّيطرة على حوكمة المحتوى وما يتعلق بذلك من تدابير لضمان نزاهة المعلومات التي تم إنشاؤها أو توزيعها من قبل تلك الشركات.وقد تجلت تلك الصعوبات في استعداد نسبة محدودة فقط ( ١٦٪‏) منها لإدارة مخاطر الحوكمة التي تتعدى دوافعها الجانب الأيدلوجي لتشمل تحقيق الأرباح كما هو الحال مع المواقع التي تعمل من الولايات المتحدة الأميركية والتي تدعو القراء لإنشاء قصصهم الوهميّة الخاصة ومشاركتها عبر “فايسبوك. كما ناقش الموقع حالة شبكتين منفصلتين تمتلكان معا ما لا يقل عن ٣٠ موقعا خبريا نشرت من خلالهما أكثر من ٣٠٠٠ مقالة زائفة بست لغات خلال عام واحد .

تبين هذه الأرقام بوضوح الحجم الكبير لتدفق المعلومات والأخبار في الأوساط الاجتماعية والرهانات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بها وحمى التنافس بين الحقيقة والكذب بين ثنايا تلك المعلومات و الأخبار.

اخر تجليات فوضى الاعلام والمعلومات ظهرت في إطلاق شرارة الأزمة بين قطر والسعودية بسبب ما تم التصريح عنه من اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية ونشر تصريحات غير مرغوب بها ” خليجياً” لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني .

وعلى الرغم مما قد يراه البعض مشيناً او سطحياً في مناقلة اخبار او منشورات مزيفة او ” مُضخمةْ” فان هناك من يرى في ذلك تنميةً لحالة “الحفر الفكري” والنقد بين أوساط المجتمع..

مشاركة هذا الحجم الكبير من المعلومات والأخبار بغثها وسمينها تُقْحِمُ “الذكاء الإجتماعي” في مغامرة التحري وتُنَصِبُ الفرد حاكما على طيف واسع من الخيارات قد تشكل فيها الحقيقة أقلية. وهي تنمي في نهاية الحال لدى النخب والجمهور “الحس النقدي” بشكل تصاعدي بسبب إلزامية اللجوء الى منهج “الشك” في مرجعيات الأخبار والمعلومات وتلزم المتابعين باهمية التقصي عن مصادر الخبر !!!

لم يعد الجمهور إذن ، “مستهلكاً عابراً” كما كان في السابق للمعلومات او الأخبار الجاهزة بل ناظراً متوجساً لكل جديدٍ !!!

مع هذه التغيرات السريعة والعميقة ، أصبحت رؤية الجزء الغاطس من “جبل الثلج” متاحة بشكل متزايد على الرغم من مشقاتها والقلق صار عامل الحسم في العوالم المُغَّيَبَةْ !!!!

لا تعليقات

اترك رد