حرية بلا ضوابط ولا أخلاق

 

أنت حر وأنا حر وكلنا أحرار ، لكن الحرية التي نراها ونلمسها بأصابعنا لها طعم الفوضى والتفلت والسم الزعاف يرفضها العقل ولا يستسيغ معناها ، حرية بلهاء يتسلى بها أصحاب النفوس المريضة الذين لا هم لهم سوى الهيمنة والضغط على أنفاس المجتمع بحجج باطله لا تقوم على منطق ووعي سوي .

ثمة عرابدة يسعون لنشر الظلام والفوضى واخماد غريزة الفضيلة واطفاء شعلة الحرية والديمقراطية التي تتقوم على : دولة الحق والقانون ، وحقوق الإنسان ، والتعددية ، وحرية التعبير ، والمواطنة المتساوية ، وفصل السلطات ، والوعي والثقافة والتعليم ،و الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، والتناوب السلمي للسلطة ، والانتخابات الديموقراطية والأخذ بمبدأ الاغلبية .
الحرية عند عتاولة الجهل والطائشين وشاذي الآفاق تحولت إلى نمط من انماط الهدم والفوضى والاحترابوالتناشز المدمر والنزق والطيش .
تحولت الحرية إلى لون من ألوان العبث والهستريا والجنون خارج أسوار الضوابط والقواعد القانونية والأخلاقية الضابطة لإيقاع الحرية والديمقراطية .

الفراغات مرعبة في المجتمع متساوقة مع أزمة تهتك وخراب وضلالة عمياء عند قسط معتبر من العامة الذين يتمادون في الزلة والإثم ويقلبون المفاهيم رأساً على عقب بغير سداد .

فالحرية بدون سلطة ولا مؤسسات ولا قوانين ولا انصاف لعبة مرعبة تغلف الباطل بغلاف الحق وتجلب أعظم الرزايا والبلايا والتخلف والأوهام وتجسم الانحرافات وتضخم الغلطات والشعوذة والكيد والنزعة الذئبية وتزيد مساحة الباطل ونبضات الهوى .

لست حراً حين تنهب المال العام وتعبث بخيرات المجتمع وتدمر المسالك والطرقات والعمران وتحطم شبكات الماء وتقطع اسلاك الكهرباء وأنابيب المجاري ، لست حراً حين تعنف الناس ببلطجية شديدة وترميهم باللؤوم والخزي في إقداع شنيع ، لست حراً حين ترسخ أقدام البلطجة والانحطاط ، فأصبح :
حامل السلاح حراً حين يطلق الرصاص في الهواء ، واللص حراً حين يسرق ، والسفيه حراً في شتمه للأعراض ، والقاتل حراً في سفكه للدماء ، والفوضوي حراً حين يسد منافد الطرقات ، والطالب حراً حين يغش ويعتدي على أساتذته ، والمتشدد حراً حين يكفر الأخرين ، والمتعصب حراً حين يجمح ويسرف في الجموح ، والتاجر حراً حين يرفع الأسعار ، والموظف حراً حين يعطل الأشغال ، والمؤدلج حراً حين يخلق العتمة والشقشقة العقائدية الفاسدة .

(( فالحرية ملتبسة في كل قاموس ، لها مواضعها البارزة ، الصعاليك أحرار ، الغجر أحرار ، الثوار أحرار ، الفنانون أحرار ، التجار ، الساسة ، المعارضون
أحرار .. المهم أن تكون الحرية دافعاً حقيقاً للإرتقاء وليس وساماً فخرياً للسقوط ))
” غادة فؤاد السمان ” .
ما أسوأ الأوضاع المخبوصة المعجونة بالشقاء والألم والمضض الروحي والخراب والبوار التي تسود فيها حرية بلا حدود ولا ضوابط .
فالحرية كما تشير المواثيق الدولية ( تقوم على حق ممارسة كل عمل لا يضر بالأخرين ) ، وعلى البشر ( أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء ) .
الحرية مسلك عاقل يزن الأمور بالقسطاس المستقيم وهذا المسلك لا يضر بحرية وحقوق الأخرين ، يتصرف من خلالها الإنسان بوعي خارج قيود الخوف والهيمنة والعبودية ، والحرية تعطي الإنسان حق الاختيار وحرية القول والتعبير وحرية الضمير والمعتقد وتحقيق الذات في مسرب شفاف وعادل بمنأى عن الإملاءات والضغوط والجزع والترهيب والترغيب .
تنتهي حريتك عندما تضر بتصرفاتك الأخرين وتهشم قيم التساكن و التجانس والتسامح الإنساني وتستبيح بفضاضة خصوصيات الناس وتدمر قواعد الوئام والعيش المشترك بلا بصيرة و لالب.
( تبدأ الحرية حين ينتهي الجهل ، لأن منح الحرية لجاهل كمنح سلاح لمجنون )”فكتور هيجو”.

لا تعليقات

اترك رد