كردستان العراق ، والكلام الذي لم يقال حول فلسفة المصير ؟! – ج١


 

هذا من الموضوعات التي اكثر من المطالعة فيه وفي مكتبتي الشخصية عدد لابأس به من خيرة الدراسات الأكاديمية الحديثة حوله ، في ذات الوقت فانه احد اكثر الموضوعات كراهة على نفسي للكتابة فيه . في هذه القضية يختلط الحق بالباطل ، والعقلاني بالعاطفي ، والحقيقة بالوهم ، وحديث الأميين مع أفضل منتجات العقول الأكاديمية … يختلط ذلك بسهولة ويسر ، ولم اقدم على الكتابة فيه لولا تذكرة من سيدة الصدى الصديقة العزيزة د. خيرية المنصور التي استفزت فيّ فضول الكاتب فيما تدور بشأنه الكثير من الأحاديث هذه الأيام .

نشأنا ونحن نسمع باسم ( برزان ) ودخلنا الجامعة لدراسة العلوم السياسية فتكون هذه القضية حاضرة في كثير مما كنا نتداوله في أعوام الستينات من القرن الماضي ، وتشاء الصدف ان يكون زميلنا في صف الدراسة الجامعية هو احد رموز هذه القضية واعني به المرحوم السيد نوشروان مصطفى زعيم حركة التغيير الذي قرات نبأ رحيله عن هذه الدنيا وانا اكتب هذه السطور ؛ اشهد انه كان أميناً مدافعاً غيوراً عمّا يعتقده حق شعبه في تقرير مصيره ، وكنا نستمتع ونستفيد فائدة عظيمة من خلال الحوارات التي كانت تجمعنا أحياناً كثيرة .

لايمكن فهم تطورات وتعقيدات الموضوع الكردي في العراق دون مراجعة أصول هذا الموقف في صيرورة عملية تشكل الدولة والهوية الوطنية العراقية الحديثة .

لست من حيث المبدا وعلى المستوى الشخصي ضد فكرة قيام الاكراد بفك ارتباطهم بالعراق ، رغم شكوكي المبنية على أسس ، أراها ذات معقولية ، تتعلق بمدى شرعية توصيف ذلك من الناحية القانونية بانه ممارسة لحق تقرير المصير ، اذا ما اخذنا بالاعتبار تاريخ تشكل الدولة العراقية المعاصرة وأسس تشكيلها ، ثم في اعادة تشكيل نظامها السياسي من قبل المحتل الامريكي بعد عام ٢٠٠٣ .

من المؤسف ان يتم تقديم تاريخ تأسيس العراق المعاصر ، من قبل دوائر سياسية واعلامية واكاديمية معينة ( يصادف ان اغلبها دوائر يهودية – صهيونية ) على اساس انه تم وفق صيغة تجميع عاجلة وجائرة ، وعلى اساس مقتضيات مصالح كولونيالية بريطانية لم تراعِ مصالح مكونات الشعب العرقي ، الاثنية والدينية ، بشكل عادل . وفقاً لهذه الرواية فقد جرى تجميع ولملمة سكان العراق ومنحهم صفة شعب دون أسس تاريخية مما أنتج في النهاية كياناً هشاً ، ومن تجليات هشاشته هذا التحرك الذي تشهده منطقة كردستان العراق باتجاه الانفصال عن العراق ، واعتباره بالتالي ممارسة طبيعية لحق تقرير المصير الذي حُرم منه الاكراد عند تأسيس العراق المستقل . رغم مخالفتي لهذه الرؤية في فهم تاريخ العراق المستقل ، الاّ أنني أميل شخصياً الى الاعتقاد بان فك الارتباط مع اقليم كردستان ، ضمن حدوده التي تشمل المحافظات الثلاث السليمانية واربيل ودهوك في وقت مبكّر نسبياً ، في الستينات او اوائل السبعينات من القرن الماضي ، كان سيوفر على العراق أثمان باهظة دفعها من اجل الحفاظ على وحدته الاقليمية تضمنت عشرات آلاف الأرواح البريئة فضلاً عن الكلف المادية وتفويت فرص للتقدم لاتعوض ، ثم في النهاية تمت التضحية بنصف شط العرب منفذ العراق المائي الرئيسي الى العالم .

حق تقرير المصير يمنح عادة لشعب وقع تحت الاحتلال او ، اذا توسعنا تجاوزاً في تفسير المبدأ ، تم ضمه رغم ارادته في كيان دولة مصطنعة مما يجعل وضعه وضع اي شعب واقع تحت احتلال . على كل الأحوال فان هذا المبدأ لم يستقر بشكله النهائي العام في القانون الدولي ، مع استمرار قدر كبير من الغموض حول تعريف معنى كلمة شعب ، الا بعد الحرب العالمية الثانية في إطار الموجة الدولية التي طغت بعد الحرب وهزيمة الفاشية في إطار ما سمي بتصفية الاستعمار ، وانيطت المهمة بإحدى اللجان الكبرى في الجمعية العامة لهيئة الامم المتحدة وهي اللجنة الرابعة ، وكان قبل ذلك عبارة عن رؤية سادت مؤتمرات الصلح التي اعقبت الحرب العالمية الاولى تحت تأثير المبدئ التي حملها الرئيس الامريكي ودرو ولسون الى مؤتمر الصلح والتي ارتبطت باسمه ، ثم ادرج المبداً بصيغة ما في اتفاقية ڤرساي لتصفية تركة امبراطورية النمسا والمجر . ارتبط المبدأ بعد تأسيس الامم المتحدة بقضية تصفية الاستعمار ، ثم اكتسب معاني إيضاحية في ضوء المفاهيم التي ارستها قرارات الجمعية العامة ومنها بشكل خاص قرارها الصادر عام ١٩٦٠ تحت عنوان ” اعلان ضمان الاستقلال للشعوب والأقطار الواقعة تحت الاستعمار ” وقرارها الصادر عام ١٩٧٠ تحت عنوان ” اعلان مبادئ القانون الدولي ” ؛ من هذا المنظور فان الاكراد في العراق لم يكونوا من وجهة نظر القانون الدولي واقعين تحت احتلال بل مجموعة سكانية مميزة ، لم تكتسب بعد صفة شعب او امة عند اعلان استقلال العراق ، وهي مجموعة ضمن مجموعات اخرى اكبر منها واخرى اصغر وجدت نفسها في إطار دولة وطنية جديدة عندما أعيد توحيد اربع ولايات عثمانية ذات روابط ادارية واجتماعية – اقتصادية مميزة نشأت على مدار التاريخ لتكون هذه الدولة الوطنية الجديدة التي استمرت على حمل ذات اسمها القديم ، العراق وهو اسم مشتق من اسم مملكة اوروك التي نشأت في الألف الرابع قبل الميلاد وغطت معظم الجغرافية العراقية الحالية ؛ وهذه الولايات ( وبعضها متصرفيات خلال العهد العثماني او وحدات ادارية – ضريبية اقطاعية فرعية قبل ذلك ) هي بغداد والموصل والبصرة وشهرزور ؛ هذا التجميع لم يكن اعتباطياً ، كما تذهب المدرسة الاسرائيلية وتوابعها ، بل هو إقرار ماكان قائماً منذ حوالى اربعة عشر قرناً (على الأقل ) على المستوى الاداري في إطار الدولة الاسلامية الكبرى التي تم تأسيسها في القرن السابع الميلادي التي شكل العراق كيانا ادارياً واحداًفي إطارها .

تشكل العراق كوحدة طبيعية جيوسياسية منذ فجر التاريخ ، وادارية ، وفق ماوصّفت ، تحت ذات الاسم وبذات الحدود الحالية تقريباً منذ الفتح الاسلامي وان شهد بعض التغييرات في سياق تبادل الهيمنة من قبل الإمارات والممالك الإقطاعية المتعاقبة إبان فترة التحلل النهائي للامبراطورية العباسية ، وخاصة بين منتصف القرن الثالث عشر ( سقوط بغداد على يد هولاكو ١٢٥٨ ) واوائل القرن السادس عشر ( معركة چالديران بين العثمانيين وفارس ١٥١٤ ) الميلاديين ، حيث استقر الامر للعثمانيين ورثةً وستمراراً للإمبراطورية الاسلامية حتى الحرب العالمية الاولى ؛ خلال هذه الفترة شكلت ثلاث ولايات هي البصرة والموصل وبغداد كيانا إدارياً واحداً تحت مسمى ولاية باستثناء فترة قصيرة منحت هذه الوحدات الثلاث مركز ولاية لكن بغداد ظلت هي الراجحة والمرجع في إطار نظام اداري شبه إقطاعي تعرض لعمليات اعادة تنظيم منذ اوائل القرن التاسع عشر تحت مسمى الإصلاحات العثمانية ، ولكن لفظة بغداد ظلت في المراسلات العثمانية تشير الى العراق بشكل آلي وفقاً للمؤرخين الذي تخصصوا في توثيق وقائع تلك المرحلة { راجع لونگريك ، وأبوبكر گيلان }*.

اما الولاية الرابعة فهي ولاية شهرزور وتشمل من ضمن ماتشمل اجزاء من محافظة كركوك / التأميم الحالية ، فكان لها وضع إقطاعي خاص تحت إمارة احدى الأسر الإقطاعية الكردية النافذة وان كانت بحكم الجوار الجغرافي قد تواصلت اقتصادياً واجتماعياً مع بقية العراق لتشكل جزءاً من الجغرافية السياسية – الاقتصادية التي تشكلت منذ اوائل القرن السادس عشر وارتبطت تجارياً ككتلة اقتصادية واحدة مع الكتلة التجارية الكبرى التي تشكلت انذاك حول حوض المحيط الهندي وارتبطت به منطقة جنوب غرب اسيا برمتها لأكثر من ثلاثة قرون حتى قدوم الموجة الاستعمارية الكبرى وخاصة البريطانية لتحول اتجاهات المحطات النهائية لهذه الكتلة التجارية الكبرى نحو السوق الرأسمالية ومراكزها الناشئة انذاك في لندن وعواصم اوروپية تجارية اخرى معروفة دون ان تمس جوهر تركيبتها الجغرافية – الاقتصادية .

هذا المسار التاريخي الطويل الممتد على مدى قرون طويلة بلور شخصية مميزة في العراق ، ولم يكن هذا الوطن من بنات أفكار السيد ونستون تشرتشل بل ان هذا الاستعماري العريق عرف تاريخ وواقع المنطقة جيداً وبلور بعض حقائقها في إطار عملية ادارية – استعمارية تتضمن انشاء دول وطنية تخفف عن بريطانيا اعباء الاحتلال وليس خلق كيانات مصطنعة ، كما تزعم المدرسة الاسرائيلية وتوابعها ، تزيد من تكاليف الانغماس البريطاني ، وبالتالي فان الحديث حول حق الاكراد في تقرير المصير هو قضية عراقية داخلية ينبغي حلها من خلال واحدة من ثلاثة وسائل : المفاوضات ، الحرب او التحكيم ، وان اي تدخل دولي فيها هو تدخل في شأن داخلي لاغراض سياسية غير مشروعة ، حتى لو تم بطلب كردي .

اقرب التجليات الكردية في المرحلة اللاحقة للاستقلال هي حركة الشيخ محمود الحفيد الذي أعلن نفسه عام ١٩٢٥ملكاً للأكراد في السليمانية ، ويظهر جلياً عند دراستها انه لم تكن هنالك شخصية قومية كردية بالمفهوم العام للشخصية القومية بل طغت ، كما في المرحلة السابقة ، النزعة الدينية الاسلامية الصوفية حيث كانت المملكة الكردية الجديدة التي اعلنها الشيخ محمود نوعاً من اعادة احياء للخلافة الاسلامية التي ألغاها اتاتورك قبل ذلك بوقت ليس بالبعيد في الاطار الجيوسياسي لمنطقة نفوذ الشيخ المذكور في حينها ، وفقاً لاحد اهم المتخصصين المعاصرين بتاريخ وثقافة الشرق الاوسط وهو الپروفيسور سامي زبيدة الاستاذ الفخري في جامعة لندن .

في الخلاصة العامة ، يمكن القول ان وجود أكراد في جغرافية العراق هو قدر ليس من صنع البشر ، وهو ليس ثمرة عقد للمساكنة الوطنية يجوز فسخه عند عدم التوافق . ان الاخلال بهذ القدر بشكل انفرادي على خلفية خلافات سياسية داخلية قابلة للحل تحت تأثير نفوذ خارجي او استثماراً لظرف طارئ يمر به الوطن نتيجة سوء ادارةٍ حكومة فاسدة ، يعد عملاً مضراً بمصالح ومستقبل بقية شركاء الوطن . اضافة لكل ذلك فانه من الثابت تاريخياً ان الاكراد قد استفادوا من حقائق التاريخ هذه ، وخاصة من كونهم مواطنين في بلاد تخضع لسلطة وسيادة واحدة ، فتمددوا في خارج موطنهم الجبلي الذي ذكرهم فيه المؤرخ اليوناني زينوفون ، واذا مافكروا باختيار تأسيس كيانهم السياسي المستقل فان عليهم أخذ ذلك بالاعتبار كما على الدولة الام ان تأخذ ذلك بالاعتبار ايضاً بحكم مسؤوليتها عن مصالح جميع مواطنيها الاخرين .

يتوهم البعض بالذهاب الى مقولة ان المجتمع الدولي قد منح الاكراد الحق في تقرير المصير بموجب اتفاقية سيڤر التي عقدت بعد الحرب العالمية الاولى ؛ الحقيقة ليست كذلك وما تم إقراره في هذه الاتفاقية هي عملية نزع لأطراف تركيا من خلال الإشارة الى حق بعض لأقليات بإنشاء كياناتها المستقلة دون ان يتضمن ذلك اقراراً بها كأمم والدليل على ذلك هو ان مايخص الاكراد فيها لم يتعد الاكراد في داخل تركيا الحالية دون التطرق الى أكراد ايران او العراق ، ودون الإشارة لهم او الاعتراف بهم بصفتهم امة ؛ ولم تكن الفكرة القومية في صفوف الاكراد انفسهم قد تعدت حدود بعض النخب الضيقة ولم يكن الشارع الكردي قد أبدى اهتمام أمةٍ بمصيرها ، وقد كان الاكراد في غالبيتهم العظمى انذاك فلاحين او أقنان ملحقين بالأرض في ظل اوضاع إقطاعية تامة . ثم جاءت اتفاقيات لوزان لتحل محل اتفاقية سيڤر ، مما يعني ان هذه الاتفاقات لم تكن سوى تسويات سياسية وليست إعلانات ذات طبيعة حقوقية يتم بناء حقوق قومية لمجموعات بشرية في المنطقة على اساسها ، اخذاً بالاعتبار ان وجود أكراد هو حقيقة ولكن وجودهم لايعني وجود قومية لان الاخيرة تعني شعور هؤلاء الناس بالانتماء المشترك لهوية واحدة شاملة وهو مالم يتحقق في حالة الاكراد الا في فترات متأخرة من حيث الزمن ، ومن حيث ترتيب الاستحقاقات ؛ كانت ولاءات الاكراد تتوزع بشكل أساسي على الانتماء القبلي – الاقطاعي وعلى الانتماء الديني – الصوفي .

في عهد العراق المستقل يمكن تقسيم واقع الاكراد الى ثلاث مراحل ، مع الاعتذار عن الاهمال لبعض التفاصيل بحكم الحيّز :

١- مرحلة العراق الملكي المستقل ٢١-١٩٥٨ : لقد لخص الملك فيصل الاول ، في رسالة مشهورة وجهها الى عدد من أركان مملكته ، وقع العراق بانه يفتقر الى العنصر الأساس الذي يوحد الشعب وهو افتقاره الى وحدة الدين والقومية والثقافة . انه شعب منقسم يحتاج سياسيوه الى الكثير من الحكمة والدراية الى جانب الحزم والقوة لإدارة شؤون البلاد ، وكان الملك فيصل الاول يتحدث عن واقع بدأت بذرته مع الاحتلال المغولي للعراق عام ١٢٥٨ حيث تم إهمال الادارة المركزية فحولت جزءاً كبيراً من السكان الى البداوة فيما حولت البقية بعد انهيار منظومات الري وتدمير الطرق جراء الإهمال الى العيش في معازل حضرية – زراعية حتى القرن السادس عشر كما اسلفنا ، ثم بدات خطوط التجارة مع حوض المحيط الهندي تشق طريقه من الشمال الى الجنوب لتعيد وصل ما انقطع من صلات بين سكان البلد وان بشكل جزئي ؛ من اجل إنجاز عملية تنمية الشعور بالانتماء الوطني فقد انتهجت السلطة سياسة ذات شقين : الاول هو العمل على ادماج لجميع في بوتقة اجتماعية متجانسة من خلآل التعليم وتأسيس الجيش الوطن وفق مبدأ الخدمة الوطنية الالزامية والتمثيل في مؤسسات الادارة السياسية كالپرلمان والحكومة ومناصب الادارة في مختلف مستوياتها ، كما عملت الحكومة على تحسين وسائل ربط الأطراف مع بعضها وبالتركيز لانهاء العزلة الجغرافية التي عاشتها أنحاء البلاد المختلفة لمدة تقرب من ثمانية قرون كما جرى انشا الأحياء السكنية الجديدة وفق المهن الحديثة والمركز الاجتماعي – الاقتصادي بما يؤدي الى “وطنية ” الشرائح الاجتماعية ذات المصالح المتجانسة ؛ جرى العمل كذلك على توطين البدو الرحل وتفكيك الاتحادات القبلية . لقد استهدفت هذه السياسة العمل على تحويل الانقسام الاجتماعي العمودي الى انقسام أفقي بهدف تحويل الطبقات والشرائح الاجتماعية الى التكون وفق معايير جديدة ذات أفق وامتداد وطني يعلو فوق الانتماءات دون الوطنية .

في ذات الوقت تبنت الحكومة سياسة صارمة ازاء آية نزعات ذات توجهات انفصالية او محلية تخل بمبداً اعلاء الانتماء الوطني وشهدت فترة العشرينات والثلاثينات حملات عسكرية ضد عمليات التمرد العشائرية والمحلية التي قامت بها بعض الاطياف العرقية والدينية ضد سياسات الدولة الهادفة لإنتاج هوية وطنية عراقية ، ومن ذلك تلك الحملات التي قام بها الجيش ضد التمردات العشائرية الكردية والآثورية ( التي يشار لها بالآشورية وفق خطأ تاريخي – معرفي ) واليزيدية او التي قامت بها عشائر الفرات الاوسط العربية الشيعية . هذه السياسة المتشددة والتي اتسمت أحياناً بالقسوة ( وهي قسوة تمت المبالغة في توصيفها أحياناً ) بدات بالانحسار بشكل شبه كامل خلال الأربعينات والخمسينات لانتفاء الحاجة اليها بعد ان بدات خطوات الدمج الاجتماعي تؤتي أكلها خاصة بعد تدفق موارد النفط والشروع في برنامج الإعمار الوطني الشامل منذ عام ١٩٥٢ مع توسع شامل في نشر التعليم والرعاية الصحية والاسكان الشعبي .

كانت مشاركة الأقليات الاثنية والدينية في هيئات الادارة السياسية والعامة في البلاد اقل من نسبتهم العددية ، اما لقلة عددهم اصلاًٍ او لاسباب تعود الى تراكمات تاريخية ، لكن المؤشرات البيانية لهذه المشاركة الى جانب كتلة السكان العرب المسلمين كانت تسير نحو التحسن بسبب طبيعة النظام العلمانية – اللبرالية وبقدر ماكانت توفره مقاييس وظروف تلك المرحلة الزمنية ، العراقية والدولية على حد سواء ؛ كانت قضية التشكي من نسب المشاركة ، خاصة في اوساط المثقفين الأكراد من ابناء المدن امراً مفهوماً ولكن تدنيها هو امر مفهوم ايضاً اذا ما اخذنا بالاعتبار ان ذلك الواقع كان يسير نحو الأفضل رغم حجم التحديات التي فرضتها التاريخية ، وفي حالات كثيرة كان يجري التعامل مع تلك التشكيات وتتم معالجتها .

هذه المرحلة شهدت بدايات تبلور وعي قومي كردي محمولاً على أفكار القومية الآرية التي كانت تشهد صعوداً مع صعود المانيا النازية وإيطاليا الفاشية ، وكذلك على خطوات اليسار العراقي الذي بدأ منذ الثلاثينيات بالتبشير بالمبادئ الماركسية – اللينينية ومنها تلك الافكار التي تحدث عنها ستالين ، قائد المسيرة الشيوعية العالمية انذاك ، حول القومية ؛ كان لقيام دولة مهاباد الكردية في شمال ايران اثر انتها الحرب العالمية الثانية والدور البارز الذي لعبه المُلا مصطفى البرزانيي فيها اثره البالغ في بلورة الشعور القومي الكردي وان كان بشكل جنيني ، فقد ظلت النزعات العشائرية – الإقطاعية والدينية الصوفية الى جانبها هي الغالبة في المجتمع الكردي ، اما الحديث المزعوم عن توجهات قومية عربية تبنتها الحكومة العراقية وقادت الى استفزاز المشاعر القومية للاقليات وصعودها فهو كلام يتعارض مع الوقائع على الارض . لقد شهدت مرحلة الحكم الملكي تطوراً في العلاقات العراقية مع دول الجوار غير العربية اكثر مما تم انجازه على صعيد علاقاته العربية ، وكان حلفا سعد أباد لعام ١٩٣٧ مع ايران وتركيا وافغانستان ، ثم حلف بغداد لعام ٥٥ – ١٩٥٦ مع بريطانيا وتركيا وايران وپاكستان خير تعبير عن ذلك ، فيما لم تتقدم العلاقات العربية الثنائية للعراق بشكل استثنائي على اي صعيد باستثناء انشاء الجامعة العربية وهي منظمة جماعية وتمت تماشياً مع رؤية بريطانية لترتيب اوضاع المنطقة بعد الحرب وفي اجواء الحرب الباردة ، وكان انضمام العراق اليها كعضو مؤسس امراً طبيعياً يتماشى مع حقيقة ان الغالبية العظمى من سكان العراق هم من العرب ، غير ان المبدأ الذي أقيم عليه النظام الدستوري للبلاد هو مبدأ المواطنة الفردية وتم تطبيق المبدأ وفق معطيات تلك المرحلة .

انتهت هذه المرحلة بانتهاء النظام الملكي في الانقلاب العسكري في١٤ تموز عام ١٩٥٨ وقيام الجمهورية ، ومن بين اهم مبررات الانقلاب هي معاداة النظام الملكي لحركة القومية العربية بقيادة الرئيس المصري انذاك جمال عبدالناصر .

٢- مرحلة العراق الجمهوري ٥٨-١٩٦٨ ؛ في هذه الفترة أخذ التوجه نحو بلورة مشاعر نخبوية مدينية قومية كردية ، في العراق تحديداً ، ياخذ منحىً جدياً تحت تأثير تطورات سياسية داخلية تمثلت في الأخطاء المعهودة لديكتاتورية عسكرية طالت الاكراد وغيرهم ، وتدخل اجنبي ، امريكي وايراني واسرائيلي على وجه الخصوص ولكل دوافعه الخاصة . لم تاخذ هذه المشاعر بعداً كردياً شاملاً بل ان وقائع التاريخ تثبت ان القيادة الكردية الرئيسية في العراق عملت متواطئةً مع نظام الشاه في ايران لإحباط عملية إنضاج مشاعر قومية مثيلة في ايران كانت تُنَضَّج بشكل متسارع من قبل اليسار الايراني المدفوع سوڤيتياً ، منذ ذاك الحين وقعت الحركة القومية الكردية في اكبر اخطائها التاريخية حين وضعت مصيرالاكراد في مفترقات طرق وتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية مما أفقدها زخمها الذي ستظهر الحاجة اليه مستقبلاً وخاصة في ايران وصارت القضية عرضة سهلة للإحباط والتجاذبات البعيدة عن روحها وجوهرها .

( تفاصيل وافية في القسم القادم ) …. يتبع

*مراجع أشير لها في المتن

Longrigg , H. Stephen – Four Centuries of Modern Iraq , Lebanon , 2002
Ceylan , Ebubekir – The Ottoman Origins of Modern Iraq , New York , 2011

لا تعليقات

اترك رد