رؤية – امينة ساهي .. فضاءات البيئة الإبداعية وعوامل تنشئتها الشعرية


 

كروافد الماء الرائقة المنسابة بحنان في رحم الأرض تلتقي بحب مالئة جوفها شيئاً فشيئاً تتشكل بها روح الشاعرة التي بدأت اضاءات تبرق في نفسها عن ومضات شعورية تنبأ بتشكيلات من الاحاسيس والعواطف والافكار تنمو وتتبلور تدريجيا محبوسة في أعماق وجدانها باحثة عن الانعتاق .

كانت جولاتها البغدادية مع ابن خالها الشاعر عبد الأمير جرص في الملتقيات الأدبية والفنية تنبه مدركات انتباهها ومجسات حواسها الى أشياء جديدة لم تعهدها سابقاً

فكانت القصائد الشعرية والقصص والهمسات والخواطر تسقط على روحها كقطرات الندى الملامسة لخدود الورود الغافية فتوقظها وبدأت تتسلل الى نفسها رغبة جامحة لترجمة ما بداخلها من ركام المشاعر والعواطف الى كلمات مشعورة.. اخذ البعض منها يبيض دفتر مسوداتها

مخالب الإرهاب نثرت الرعب في كل البيوت والساحات والطرقات سرقت لحظات الامل واحلام الحياة الجديدة خنقت الحياة هاجر الكثيرون بحثاً عن متنفسات .. قطع الغيوم البيضاء التي تزين سماء بغداد المائية الزرقة شوهت وجهها كثبان الدخان الداكنة وعطرت اجواءها بروائح الأشياء المحترقة ..أصوات خرير الماء في النهريرات الصغيرة العازف على سطح الصخور البنية واصوات زقزقة العصافير وتغريدات البلابل وموسيقى النوادي الفنية اصخبتها دويات والانفجارات العملاقة.

امينة ساهي … براكين من الدم النازف يغلي في داخلها .. فوران ليس له نهاية ينبا بانفجار كبير .. الاحساسات والأفكار النائمة في حيز اللاشعور وثبت يقضةفي حيز الشعورعند ملامسة مدركات واقع جديد وكانت عجلة الحرب التي دمرت كل الأشياء .
فكانت قصيدتها :
( ماكنة الحرب)
المراة البدينة بفستانها الأبيض و فمها
الأحمر …
تجول في مدينتي المتعبة
لتنتقي الرجال
عروسكم هنا هلمو الى ماكنتي
وانا خلف الزجاج ارقبها
بخوفي
يدور الموت في غرفتي
ينتقي ماشاء من احبابي
****
ألم يعصف بروحها وهم قاتل يحاصرها من كل جانب فكانت قصيدتها .
( جرح سومري)
تحاصرنا وحوش … ادمية …
تطوقنا بسعيرها ..
لامجال للاختباء … او لمجرد شهيق اليف
ينشب الرعب مخالبة الدبقة
بمخمل الروح
الطفلة تمسك بطرف قلبي
لامفر
الجدران الكونكريتية العالية
تسد منافذ الأمان .

وكانت الترجمة الحقيقية للاحداث المحيطة بالشاعرة والتي ولدت ثورة كامنة جعلها تتخذ قراراً صعباً ، ان ترحل عن عشها كحمامة بيضاء مهاجرة الى زمن مجهول … ارض مجهولة حاملة بداخلها ركام المشاعر المتكومة بداخلها والتي ظلت طوال سنوات تصارع للظهور لتكون محطتها فيرمونت وينفجر بركان الكلمات بعد ان تشكلت في ذهن الشاعرة خريطة شخصية للعالم وعن المكان الجديد الذي تعيش فيه .. رمزية خاصة للاشياء … مشاعر خاصة بدات تحاكي مكونات المكان والذي تقول عنه ( انه الذي بدا يدب بداخلها عشق جديد له .. أواصر بدات تتكون وعلاقات تتوثق.
وهنا تحولت شاعريتها من الاستبطان الذاتي بنظرة متفحمة في تفاصيل والوان دقائق الكون والحياة لتتحول تجربتها من شخصية عاشتها مختبئة في حواسها ووجدانها الى نضج واكتمال لتكون تجربة عقلية تتعامل مع مؤثرات الأشياء والاحداث بتدقيق وادراك وبصيرة مفسرة وممنطقة لما تراه .
ان تجربة الشاعرة هنا هي مزيج أفكار عقلية مع حدثين ومكانين وزمانين عاشتهم في بغداد وفيرمونت .. بذرة شعورية غرست ونضجت في المدينة الأولى وانفلقت وتبرعمت مورقة مثمرة في الثانية .
وربما يعزى ابداعها شعريا في أمريكا لتوفر مناخ ابداعي يحوي عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية وثقافية وعمل حفزت لديها التفكير المنتج والافعال الإبداعية وان كان ابداعها الحالي يأخذ خطا تصاعديا تتمنى ان لايخبو بتأثيرظروف وأوضاع متغيرة ومن نصوصها
( في بيت فيرمونتي )
فتحت نوافذ الفرح … لقدومك
أيها الزائر … الذي لم يات بعد
اشعلت بخوراً اوشموعاً … في اللهفة
قرب موقد النار
ورسمت الاحلام
هكذا .. اراقصك
وهكذا اضمك
عند اول لقاء

ان المتتبع لنصوص ( امينة ساهي ) في قراءاته الأولى يجد فيها عذوبة اللفظ وسمو راق في الخيال ورقة لامتناهية في العاطفة وهي النصوص الملتهبة بحرارة المشاعر وصدقها … هي صوت منطلق من أعماق الوجدان ربما يمثل حالة البعد والغربة التي تعيشها والشوق القاتل الذي يجعل جرح الروح ينزف كلمات مشعورة تمثل حالة لالم التي بداخلها .. هذا الألم الموجع الذي أعطاها فضاءاً واسعاً للابداع .
فنجد اغلب نصوصها الشعرية والنثرية نسقاً درامياً يخترق القصيدة راويا حدثاً متنامياً مما مثلته الحالة التي ولدت القصيدة من مخاضها ونجد في فضاءات نصوصها عوالم مفترضه عوالم بديلة مبتكرة من نتاج خيالها الولود …فهي تبتكر شخوصها .. تخلقهم بابعاد جسدية ونفسية تخاطبهم وتحاكيهم .. تخلق لهم ازمنه وامكنه من عوالم سحرية اجمل بكثير من عوالم الواقع المعاش … تلك النصوص التي تاخذك بعيداً وتحلق بك عاليا … هاربة من الواقع
ان السمة الفنية والجمالية في نصوصها تكاد تميزها عن غيرها … النصوص التي لها ميزة وخاصية ( امينة ساهي) أي هي شكل غير مكرر لدى الاخرين ذلك ان نصوصها الإبداعية تزخر بالجديد مفتوحة على افاق مغايرة ذات حيوية وفاعلية وديمومة في التاثير…
وفي اغلب نصوصها لم تغب الذات الشاعرة لتنزلق في نصوصها لانتماءات فكرية معينة بل ان الانتماء الإنساني قد جعل ملامح نصوصها وجوهرها تنطلق من هذا الانتماء منطلقة من حقيقة ان الشاعر اولاً وهو بهذه الصفة يعيش وينفعل ويفكر ويعمل وهو في ابداعه الفني ينظر في دواخل ذاته ليرى من خلالها الحياة هذه الرؤية المعروضة على الجمهور من أفكار الروح الشاعرة التي تحولت الى رؤى وصور .
ومن نصوصها الجميلة المنشورة في جريدة صباح كربلاء
( اضغاث أحلام )
خدعتني نفسي الامارة بالصدق
بانك جنتي الموعودة
وقلبك الكوثر
فرضيته
ثم حلقت عالياً
حتى ملكت الثريا
******
فالشاعرة تمتلك أدوات الابداع ومفاتيح الخلق وتمتلك روحية نضاحة بحجم وقدرة اكسبتها الموهبة بالفطرة وبالمران لذلك هي مالكة لاعلى اشتراطات فنون الشعر من موسيقاه الداخلية وايقاعه وتطريبه وتاثيره فنجد في نصوصها الصور المشحونة الملونة المليئة بالعواطف الجياشة غريزة الحرارة والتاثير .
ومن نصها ( اغصان عارية )
لحرز التساؤل
انتزع وريقات الأشجار الوارفة
تتهاوى سنيني
الملحتفة بالخريف
يرتدي الامل ثوب السراب
يبلى على جسدي
اغصاني عارية

فهي تمتلك لغة غنية في مفرداتها لامتلاكها قوة في المدركات الحسية والوجدانية والنفسية من خلال ماتشي به نصوصها فالمدركات الحسية والوجدانية والنفسية في بغداد تختلف عنها في فيرمونت أمريكا وذلك لتنوع أنماط واشكال الحياة.
ومن نص لها :
صباحك …
مشيعة ياسمين احمر
تعبق روحي
صباحك …
نور في رائعة نهار حبك
اقبلك …
ثم صباحك سكر

ان التجليات الجمالية في نصوصها صادرة عن قدرة في الأداء الفني والذي هو طبع في نفس الشاعرة وهاجس روحي لديها لذلك تنحى نصوصها الى مصطلح النص الإبداعي فنصوصها ادبا غير منسوج بل هو احساسات وهواجس الروح بكل ما تحمله من عاطفة وشعور لذلك فان نصوصها تمتلك اقوى مقومات الشعرية
وفي نص اخر
(النخيل عاري)
هجرته العصافير
قارس شتاؤه
أناس رماديون عالقون بالاسى
عالقون في فخ العجز
كي تصيبهم فتنه
سماؤهم شاحبة …

ان مشاعرها الصامته خلال سنوات عددية مضت من عمرها … صمت المصاحبالمترقب وهي تجوب شوارع بغداد مع ابن خالها الشاعر عبد الأمير جرص قبل ذهابه الى كندا تستمع له وتتذوق شعره …. الشعر الذي يفجر ينابيع شعورها ومجسات احاسيسها ويفعل فعله العجيب فتنشئتها الشعرية … الشاعرية التي لم تنطلق في فورة الشباب الأولى وربما بدات متاخرة بعض الشئ لكنها متواصلة العطاء .. ثرية المصادر الذاتية وكانها في ذروة مواسم الخصوبة الفنية .

1 تعليقك

  1. من شغاف قلبي اشكر الكاتب الرائع الاستاذ كاظم جلاب نشمي
    على جمالية الرؤية وشفافيتها و أقتدار الكاتب على سبر أغوار
    النفس من خلال كتاباتي وقراءتها بشكل دقيق ودراسة عميقة
    توحي بثقافة عالية وأقتدار ادبي وقلم واعي يكتب بصدق.
    مودتي وتقديري وأحترامي للاستاذ كاظم جلاب نشمي ولهذا الموقع الرصين.

اترك رد