إحراق المراكب


 
(لوحة للفنان مؤيد محسن)

سُنن الحياة والمجتمع ونظامُ الطبيعة تفرض استحقاقأ للعمر في الدراسة والتربية والعمل والرياضة وتحمل المسؤولية حتى تصدير الحكمة، لذلك حين تكون في الاربعين مثلا ، فانت عجوز في فريق كرة القدم ، شابّ في السياسة ، يافع في الدين ، طفل في الحكمة وبطون التاريخ ومنازل العلماء . أنظمة الإدارة الحديثة وتكنلوجيا المعلومات وتطور جينات البشر الطبيعي، غيّر الكثير من هذه القواعد ، يمكن لعالِمٍ أن يكونَ في عمر العشرينات ورئيس دولة في الثلاثينات ولحكيم بليغ أن يكون في الاربعينات ، بل إن الأطفال أيضا أخذوا أدواراً متقدمة عما مضى وهم يُعلمّونَ آباءَهم أصول التربية الصحيحة وكيفَ يستخدمونَ أجهزة الإتصال والخدمات الحديثة في المنزلِ والحياة .

بالنسبة لنا ،نحنُ المتأخرين عادةً عن أي منجز ، نصطدمُ اليوم بنمطِ أعمار السياسيين الذين تجاوزهم الزّمن ، وهم مازالوا ممسكينَ بأظافرهم وأسنانهم بعرباته المسرعة، لايجيدونَ من السياسةِ سوى أدواتها العتيقة ، لغة الكراهية، الخطاب الفئوي ، إنشاء العدوات ، التحذير من الأعداء ، والتفكير يوماً بيوم في ظل غياب الهدف وقلة الخبرة والتخطيط الاستراتيجي وغيوم المجهول التي تلفهم والناسَ معهم بسبب سياساتهم. هؤلاء وبعدَ أن فشِلوا لايرحمون ولايخلّون رحمة الله تنزل ، بل إن الحديث عن أعمارهم وتعفّنهم في المناصب أصبح منشورا سريا يحاسب عليه من يحملهأ يروّج له .ليس لدينا سياسة في العراق ولا دول العرب عموما ، ماحدث سابقا فعاليات قديمة دموية خائبة ، خليط من القسوة والاثراء والمجون والوهم ، وهؤلاء ورثة السنّة البالية تلك التي ترى البقاء للاكبر عُمرا حتى وإن كانَ عتيقا ، وأقول عتيقا وليس قديما لان القديم حي وفاعل ومنتج ومرّ عليه الزمن دون ان يؤثر به ، فيما العتيق توقّفَ وبانَت عليه آثار الزمان ، وفي الحالتين عليه ان يترك الساحة للشباب كريماً معززا الى ضمير الناس اذا كان مصلحا مفيدا والى لعنتهم اذا كان غير ذلك ، لكن أولئك وهؤلاءكما يبدو لم ولن يتركوا المناصب التي هم فيها الا وهم محمولون على آلة الحدباء الى المقابر .

واعتقد ومعي اصدقاء كثر كتبوا باستحياء أو بغمز بائن عن هذا المسكوت عنه في السياسة العراقية ؛ نرى ان سبب هذه اللزوجة الوظيفية وتكلّس الوجوه الكالحة على حد تعبير المرجعية الدينية وانتاج المبررات لبقائها في السلطة بأي عنوان كان ، هو أزمة وجود اكثر من كونه تقدير مواقف، لانهم يعرفون ماذا فعلوا وماذا يستحقون ، ويعرفون أنّ رفع غطاء المنصب والسلطة عنهم يكشف ظهورَهم أمام الناس الغاضبين على وجودهم بالضرورة .

امّا ذريعة الحكمةِ والخبرة والجهادِ الأكبر الذي يتخذونه سبيلا لذلك التشبث فلَمْ يعدْ صالحا هو الآخر، لان حكمة َالكبار اليوم ليست ذات قيمة دون تحديث عصري لها ، ونتائج التجارب الحالية حُسمت لصالح عالم الشباب الذي يشهد تحولات كبرى في السياسة والاقتصاد والخدمات في العالم .وكونها ازمة وجود فان المنصب لاتكليف ولاتشريف، بل يصبح خيارا انتحاريا يقاتل المسؤول من أجل بقائه فيه حيث لابديلَ لحياته غيرُ منصبه ! وبالتالي يحرق المراكب خلفه ولم يعد صالحا لغير ان يكون هكذا وبَعْدَه الطوفان.
سياسة إحراق المراكب هذه التي تمارس في العراق عبر مراحل عديدة من تاريخه السياسي إن دلت على لاشيء فانما تدلّ على ان لا أحدَ من حكام العراق والمسؤولين فيه يحترم العراق أو يحبّه او يخافُ عليه ، أو يخاف الله في شعبه.

شارك
المقال السابقهل توجد خطة قومية لتشغيل شباب مصر
المقال التالىالموصل التي لم تعد حدباء
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد