هاجس الألم ينتاب الفنانة الشهيدة ليلى العطار ويتجسد بأعمالها قبل الرحيل

 

أعمال رسمتها الراحلة – ليلى العطار – أكثر من ربع قرن قبل رحيلها : تلك الأجواء الرومانسية المستمدة من الطبيعة، تختلط معها معالم الإنعكاس الذهني والنفسي لها، أجواء العزلة والألم والمعايشة مع شعورها الوجداني، وخاصة في مايتعلق بالمرأة، إن لم يكن تجسيدا كاملا لذاتها. .

فإن هنالك مشتركات شعورية متجانسة بوعي وإدراك وإخلاص للمرأة العراقية، في أعمالها تتحول مناخات الطبيعة اللونية إلى تبدلات أخرى، تتحول الألوان الزاهية الخضراء والحمراء والألوان البنفسجية إلى اللون الأصفر والجوزي والألوان الداكنة التي تتخللها أغصان من الأشجار المجردة من الأوراق الخضراء، تتوسطها وتتكيء عليها جسد المرأة نحو أفق مجهول وعالم غريب وشديد القسوة، إنها تمثل تجسيد آخر من البعد لعالم يتحرك داخل الروح، والوجدان، إنه إحساس بلوعة الجمال في صراعه بين المرئي المطلق وبين أبعاده الزمنية غير المحددة.. لم تكن – ليلى العطار – تبحث عن توازن غير معلن، الذي يبدو الغالب،

هو توازن المخلوق المطهر في عالم شديد العتمة، ملغوم بالقهر والشياطين، عالم المعادن والأشرار، وإنما إختيار الجمال، في الرسم – كسلام ومحبة متسامية، بالرمز والغايات، كاستجابة لوعيها الشفاف، المسالم والعنيد . إنها أعمال وخاصة الأخيرة تعكس الشعور المشابهة للهاجس الباروسايكلوجي بمجيء الموت القاسي .. ولكنها ستتطهر من شر العالم المحيط لها بعيدا وقريبا .. لا بحثاً عن خلاص لذاتها، وأغترابها المدمى، بل مغادرة من عالم مضنك. .برغم قساوتها وشدة رحيلها : يمنح ألفن من لدن هواجس مشاعرها الفكرية والنفسية والجسدية نتاجا، تم تخليده.. إنه الرسم حتى آخر يوم قبل استشهادها، فالأثر الفني التشكيلي، يبقى مخلدا، لينطق بلسان صانعها إلى مديات الوجود والزمن عند الناس، وإذا تلاشت وأندثرت الأعمال سوى تبقى مخزونة في تصويرها الحديث، لذلك فإن البقاء مضمون للأعمال لتحكي هواجس الفنانة – العطار – إلى مدى غير مسمى، إنه أثر تجسيدي لإجراء الحساب مع المطلق، مع الخلود، أو مع ما فوق كل التصورات – البصرية أو الذهنية، المحدودة، حتى هذا الوجود الإستهلاكي، عالم الترف والنفايات والقتل عن بعد، والغدر والقبح والأمراض والتوترات السيكولوجية والتخلف والانقسامات والتطرف وكل مغالاة صادرة عن فقر الفكر الحر المستقل..

وعن عدم إستيعاب قانون الدنيا الباطلة الفانية الزائلة، لقد كانت مشاعر الوعي لديها تحركها عوامل التذمر من شر الغزاة وشر القتل بمحيط سكنها وحياتها الإجتماعية ، فتحولت أعمالها إلى طيف من التذمر والإفتعال ، والصد إلى عوامل المسببات والمسببين .
لقد كان نتاجها الفني يوحي بإغتراب، وبحزن عميق، بمحركات الدوافع مذ وجودها في الحياة . .ولكن الأمر الذي جعلها تتخذ من الطبيعة موضوعاً للتنفيس والتفريغ للهموم وتجسيد الأفكار والهواجس المكبوتة، حيث نجد إن الطبيعة لديها كانت جرداء: صحراء تمتد إلى المجهول: وكانت الأشجار جرداء وكان ألربيع غادرها إلى الأبد ..

بل قد تبدو أعمالها كبقايا حرب مهجورة بعد صراع ودمار قاس ومرير .. ووسط تلك الخرائب والسكون هنالك أجساد تتجه نحو الشمس في غروبها، جسد يتلاشى أو يستسلم ليغيب بين آفاق السماء السرمدية الأبعاد ، في هذه الطريقة تتوافق وتتحاكى مع مصير موتها القاسي والمفاجيء، إنه العناق مع الأشجار الجرداء، مع الأرض المحترقة ومع الهواء الأسود، وهكذا كان موتها بحدث بشع .. بقوة صاخبة تستهدف أحياء وبشر. . وليس قلة محدودة لفنانة رقيقة المشاعر والأحاسيس والعواطف، مع أسرتها المسالمة ، لقد كان هذا التدمير قد جعل من ذكراها أمرا عرفانيا، وأصبحت في ذكراها تمثيل للفن العراقي، من جراء أحداث تراجيدية مؤلمة وصاخبة.. وبعد رحيلها المأساوي، كتب الأستاذ شاكر حسن آل سعيد، كلمة جاء فيها: ” حينما قدمت لمعرض ليلى الشخصي الأول في السبعينيات، كنت كمن يحدس أن في هاجسها الفني ما ينبئ بتضحية الفنان عبر مسيرته غير المعلنة. لقد قرنتها بـ ” شهرزاد ألف ليلة وليلة. ثم مضت تتعمق في إكتشاف وعيها الإنساني في ألفن ردحا من الزمن وبمنطق رؤيتها، باحثة عن مدى تأصل المولود بحياته الجنينية وهي بعد أن قطعت بعد ذلك شوطا ًفي مسؤولياتها الفنية كمؤسسة لغاليري (الرواق) ومدير للمتحف الوطني للفن الحديث.. وأخيرا : مديرا ً عاما ً للفنون في وزارة الثقافة والإعلام، كنت أواكب تضحياتها أيضا ً،

بل وأسهم معها في مسؤولياتها، من جانبي “.وشخصيا ً، كنت أستعيد كلمات السيد (خافيير بيريزديكولار)أمين عام الأمم المتحدة ، وهو يقول لها، قبل رحيلها بسنوات: فنانة.. ومديرة عامة..وجميلة جدا ً! لكن ليلى لم تترك إلا الذي سيتجاوز الرمز، والثناء. إنها لم تترك إلا الذي ينمو في البذرة: سر تكّون الروح، وليس تكّون الزوال. لقد تدونت توثيقا مهماً في شريط معنون بـ«اللوحة الاخيرة» وهو من إنتاج شركتي (هاي فيلم) و(وفاء عوض). شريط جميل ومؤثر، يتتبع، في بعض مشاهده، جوانب من المسار الحياتي والفني للفنانة التشكيلية – ليلى العطار – مصحوبا بموسيقى هادئة لنصير شمة وقراءة شعرية للشاعر حميد سعيد، وهو من إخراج الدكتورة – خيرية المنصور -.

ينفتح هذا الشريط على جينيريك يعكس إحدى زوايا مرسم ليلى العطار كما ينغلق على نفس المشهد. وما بين الإنفتاح والإنغلاق ، هناك حياة فموت فحياة. مناظر لنهر دجلة وقد غدا صحيفة فضية متلألئة، وميدان التحرير ببغداد، وفجأة تتحول الكاميرا نحو – ليلى العطار – في سيارتها الفولفو، منتشية بمعالم ذلك الفضاء الذي تعبره، ثم في مشهد بديع مع الأسرة، وفي مرسمها، وهي تغازل الفرشاة بمثل تلك الخفة والرشاقة اللتين تلامس بهما الفرشاة إحدى لوحاتها، قد تكون هي تلك اللوحة الأخيرة لها، ولكن في ليلة 27/6/1993، والساعة كانت تشير إلى الدقيقة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، يعبر مطر أسود سماء بغداد، فيختار السقوط، بدون رحمة، على مسكن الفنانة –ليلى العطار – في مشهد مروع وبوحشية بربرية قد لا تتذكرها جيدا سوى تلك المرأة المسنة التي أبرزها الشريط وهي تبكي المرأة العربية في شخص ليلى التي في العراق ميتة. وسط الخراب والتلاشي تناثرت، هنا وهناك، لوحات ليلى ووساداتها الملونة وقد صمدت أمام الدمار، مجسدة بذلك نوعا من الخلود الرمزي لليلى ولفنها. ثم يأتي المشهد الرهيب، مشهد جنازة فنانة، على إمتداد شارع كبير وسط موكب شعبي كبير أغلبه من النساء، هؤلاء اللائي يطلقن صرخات مدوية تخترق سماء بغداد وقد غدت قاتمة حزينة. بموازاة مع كل هذه المشاهد يصلنا صوت الشاعر حميد سعيد بدفئه وبنبراته الحزينة، في قصيدة قوية ومؤثرة يرثي فيها ليلى، من بين ما قاله فيها:

في تلك الليلة.. كانت تسهر في مرسمها تتصيد من بعض كنوز أصابعها أقمارا وسحابا وفراشات لكن الألوان أعتكفت في حُق الكحل.. ونامت في برد النسيان أو بعد الألفة.. إن هذه القصيدة أدرجت، في ما بعد، ضمن مختارات شعرية بعنوان (من الحدائق التسع) من مجموعات الشاعر التسع التي نشرها على امتداد الثلاثين سنة الأخيرة، وهي من انتقاء وتقديم لهادي دانيال (دار نقوش عربية، الطبعة الأولى 1997، ص 72 ـ 76 ). من ذلك نستنتج ويتضح لنا مدى عمق تأثيرها الروحي والنفسي في تخليد ما أصابها من حدث مؤلم في ثنايا الخلود في التوثيق والذاكرة لدى أصحاب النفوس الحساسة عربيا وحتى دوليا، أثناء التطرق لها في إحتفالية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي منح شهرة أكثر، وقعا وفعلا وقبولا وزيادة في ثمن أعمالها في الخارج، تلك الأحداث غير الإنسانية، تغادر من جرائها أجساد لعلامات ناصعة في الإبداع، كغيرها من الأجساد غير الباقية في الحياة ، ولكن بفعلها تزداد قوة وإثارة لإيصال مضامين أعمالها التي تحاكي ذات الوقع والحدث المؤلم والمثير إنسانيا وإجتماعيا في نطاق واسع وغير مغلق ضمن محيط بلدها الأصل .

– هل إنها مقصودة في الإغتيال؟ وإذا كانت رسمت بوش هل هو مبرر لذلك؟ –
معلومات من مصادر : في ليلة 27 حزيران عام 19933 الساعة الواحدة والربع ليلا، كان صوت كصوت طائرة وأنفجار كبير جدا وعنيف هز البيوت والشبابيك وفتح الأبواب، مع وميض قوي جدا ثم صوت صافرات الأنذار، أتضح أن المنطقة تقصف بالصواريخ!!! ولقد توالت الصواريخ والأنفجارات الهائلة وبمعدل صاروخين كل دقيقتين، ممزوجة مع أصوات تكسر الزجاج والأبواب وسقوط أنقاض وأجزاء حديدية على المنازل المجاورة للمخابرات أعقبها صراخ الجيران وأصوات طيران الطيور المفزوعة والمقاومات التي بدأت بالرمي بعد سقوط أربعة أو ستة صواريخ.. أستمر هذا المشهد المفزع غير الأنساني والمفاجئ لمدة خمسة وعشرين دقيقة تقريبا، وأصوات الأشياء المتطايرة تتزامن مع كل أنفجار. لقد تحولت المنطقة إلى عبارة عن ساحة معركة حقيقية بكل شئ،،، دخان وروائح البارود وطيور ميتة من العصف، سيارات مدمرة، أنقاض وكتل طينية كبيرة غطت البيت وبيوت الجيران والسيارات المهشمة، الجيران وخصوصا كبار السن والنساء والأطفال في حالة ذهول وهيستريا، حيث خرج أبن الشهيدة وهو يركض ووجهه مغطى بالدماء:

ألحگوا بيتنه وگع، أمي وأبوية جوه البيت!! أعقبها خروج الناس في الشارع والشوارع القريبة والمنطقة تتراكض يمينا ويسارا كأنه يوم المحشر!!! وبعد ذلك سقط الجزء الأمامي من البيت، حيث أنهار كليا ولم يبقى إلا الجزء الخلفي الملاصق للمخابرات، وصوت أنين تحت الأنقاض التي لم نستطع رفعها كون الكتلة الكونكريتية قد سقطت بالكامل،، سقط صاروخ آخر على بيت تابع لعائلة ال دراغ، وكان مستأجرا الى عائلة عربية ولكنه وقع في الحديقة الأمامية وعمل حفرة قطرها خمسة عشر مترا وبعمق ثلاثة أمتار، حيث تناثرت كتل الطين من الحفرة لتسقط على كل الدور القريبة، وأصبحت تلك الحفرة بركة كبيرة للمياه الجوفية وقد أنفجر أنبوب الماء أيضا لتغرق تلك الجهة من الشارع بالمياه .

هدأت النفوس قليلا من الصدمة، وبدأت سيارات الدفاع المدني بالقدوم، قام رجال الدفاع المدني يتكلمون مع المرحومة وزوجها بواسطة صوندة المياه التي مدوها تحت الأنقاض!! ولم يستطيعوا فعل عمل مؤثر حتى شروق الشمس، وبعدها سلمت الأرواح الى بارئها فجر وصباح ذلك اليوم الساعة السادسة. ولقد أعقبها صاروخ ثالث أخطأ هدفه وسقط في منطقة الحارثية، شارع جامع الكبنجي، وقد أستشهدت فيه عائلة كاملة من خمسة أشخاص (الزوج والزوجة وأطفالهم الثلاثة) من بيت القيسي!! لم تأتي على ذكرهم وسائل الأعلام!!!؟؟؟ من ذلك يتضح، لو كان الأمر يخص الشهيدة ليلى العطار فقط لما توالت صواريخ في مكانات أخرى، لذلك وحسب وجهة نظري، إن الشهيدة ليلى العطار لم تكن مقصودة بالقصف، كون هنالك دارين قريبة قصفت أيضا وذلك أما خطأ في الأحداثيات والجيروسكوب، أو الصواريخ التي أخطأت الأهداف قد أصيبت بالمقاومات القريبة وسقطت قبل أهدافها بعشرات الأمتار. كما إن الشهيدة ليلى العطار وحسب المعلومات لم تكن من رسمت صورة بوش على أرض فندق الرشيد، وصاحب الفكرة ورسام اللوحة فنان من (ديالى) كان قد ظهرعدة مرات ببرامج تلفزيونية وشرح الموضوع،،، لم تكن الشهيدة سوى مديرة عامة لدائرة الفنون وهي وظيفة أدارية،،، ولكن كونها مشهورة ومعروفة فقد أستغل أسمها أعلاميا من الأعلام للنظام السابق للدلالة على الأجرام الأميركي، ومن الأعلام الأميركي لتبرير الخطأ في دقة الصواريخ!!! والضحية الإنسان البريء، تلك المعلومة للتأريخ ليتبين مدى أستهتار الطرف الأميركي بالبشر، ومدى معنى رسم صورة لشخص مهما يكون من مجرم لتدوسها الأحذية، ولقد أتضح فيما بعد إن كلينتون أمر بقصف المخابرات لأتهامها بتدبير محاولة أغتيال لبوش الأب في الكويت، وكلا الأمرين والأسباب يتضح مدى صغر وأستهتار العقليات للسياسة الأمريكية والمحلية في آن واحد. وهكذا أنضم عدد من الشهداء الى قافلة شهداء العراق الخالدين والمستمرين بالشهادة إلى اليوم، بسبب أستهتار الساسة والدول والقيادات الفاسدة التي يعاني منها المجتمع الوقت الحاضر و الأمس ، وبالرغم من وجود وجهات نظر أخرى تؤكد قيام الفنانة – ليلى العطار – برسم بوش المجرم، إلا إن تلك الأحداث لاتبرر ذلك الصخب من العنف والإنتقام، لأن حسب مايدعون إلى الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، الذي جعل البعض من الفنانين في تلك الدول التي تتوافر فيها قوانين الديمقراطية وحسب مفهومهم، السماح برسم الكاريكاتير الذي فيه إسائة إلى الرسول محمد .

ولدت الشهيدة الرسامة في بغداد عام 1944 ميلادية .وتخرجت من أكاديمية الفنون الجميلة للسنة الدراسية 1964- 1965.
إشتركت في معرض جماعة آدم وحواء عام 1967 وكذلك بمعرضها لعام 1968
وأقامت معرضها الثاني في قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عام 1973.
ـ عملت مديرة للمتحف الوطني للفن الحديث.. وقاعة الرواق.. وقاعة بغداد .
ـ عضو في نقابة وجمعية الفنانين العراقيين .
ـ عملت مديرا عاما لدائرة الفنون .
أقامت الشهيدة ليلى العطار خمسة معارض شخصية داخل العراق .
وشاركت في عدة معارض داخل وخارج العراق .
فازت بجائزة الشراع الذهبي في بينالي الكويت السابع .
وكذلك شاركت في معرض بينالي القاهرة عام 1984.
شغلت منصب مديرة المتحف الوطني للفن الحديث ثم مديرة مركز دائرة الفنون .
رحلت مضرجة بدمائها إثر استهدافها بصاروخ سقط على دار شقيقتها سعاد العطار الذي كانت تسكنه الراحلة ـ بعد أن تعرض بيتها للقصف والتدمير عام 1991 بسبب إتهامها برسم المجرم الأكبر جورج بوش الأب على مدخل فندق الرشيد فتمسحت بوجهه القبيح أحذية كل من عبروا بغداد ساكنين أو زواراً …

لا تعليقات

اترك رد