صمت

 
(لوحة للفنان معين حسونة)

أيّتها الغائبة.. افتقدت رسائلكِ الصّباحيّة، كتبت إليكِ أكثر من مرّة دون جواب، سألتكِ إن كانت تضايقكِ رسائلي ولم تردّي، ألم تقولي: “كنت أنتظر أجنحة الكلمة لتنقلني بعيدًا عن صخب الحياة، لكنها لم تفعل وكأنها ملّت حماقاتي، لولا جناح الطّهر الذي يرفرف من رام الله إليّ.. خذ هذا النّعناع المنجز بسرعة البرق ولا تلمني إنْ أخرست الحياة القاسية قلمي بين الحين والحين”.

لن ألومكِ.. أعدكِ كيف يمكنني أن ألومكِ وأنتِ ما استلمتِ رسائلي، ربّما لا تعرفين أنّني على قيد الحياة، أبحث عنكِ في صحرائي.
أقطف لكِ كلّ يوم باقة ياسمين، أضعها بجوار سريري، لعلّ روحكِ تعثر عليها وتشمّ عبقها، أو لعلّ نسمة عابرة تحمل شذاها فتصل إليكِ.. لعلّكِ قريبة أكثر ممّا يحتمل خيالي، أو لعلّك أبعد من أن تصلكِ همساتي.

الجوّ حارّ وخانق وأنا لا أحتمل درجات الحرارة المرتفعة، لذا أكاد أتفجّر كما تقول فيروز: “ضاق خلقي يا صبي من هالجو العصبي”، أشعر بضيق وتعب حتّى أنّني لم أكتب جديدًا، تركت علبة بريدي تضجّ من الازدحام.. هل حرارة الجوّ تجعلني أكتبِ لك بدون أن أعرف عنوانكِ؟

أحن لجلسة على تلة عالية وأفق بحري يمتد أمامي، تعبث معي الريح، أداعب أغصان أشجار، تتسلل لمسامعي صوت موسيقى، أغفو كطفل يسكن حنايا قلب، يغمض عينيه وينام، يد حانية تمتد إليه تداعب شعره.

ترى لو قرأتِ حروفي يوماً، هل ستذكرين جلساتنا وقبلات الهوى على ذلك المرتفع المطل الجميل، نسمات الهواء تداعب أرواحنا، تنثر شعركِ الحريري على وجهي.

أفتح علبة بريدي على أمل أن تمزّق صمتها رسالة تحمل اسمكِ مرّة.. آه كم أنت قاسٍ أيّها الصّمت.

* من كتاب أطياف متمردة للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات/ الأردن

المقال السابقالفن الحديث والتكوينات المستقبلية
المقال التالىمتى يتم تعريف الارهاب دوليا ؟
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد