الحرب المشروع


 

صرّح وليّ وليّ العهد السعودية محمّد بن سلمان بضرورة نقل المعركة مع إيران إلى طهران وحظي هذا التصريح الخطير بانتشار إعلاميّ واسع وأثار ردودا مختلفة. ولكنّ المؤكّد أن السعودية اليوم في مفترق طرق وأنها بدأت بالفعل في مواجهة مصيرها المحتوم وهو نفس المصير الذي ابتليت به ليبيا وسوريا ومن قبلهما العراق وبتواطؤ من الرياض وجيرانها الخليجيين وحلفائهافي المنطقة .
إن الأوامر الأمريكية قد صدرت للحكام السعوديين صريحة لا لبس فيها ومضمونها أنّ الساعة قد أزفت لتقسيم السعودية وأن الحلقات الأولى من هذا المسلسل المكرور والذي مل الناس مشاهدته منذ عام ثمانين حين اشتعلت الحرب بين العراق وإيران وأدت إلى تأخير مسار التنمية في العراق وإيران بثمان سنوات كانت فعالة للإجهاز على العراق الموحّد في سنة 2003 بعد إنهاكه بالحرب والحصار والغزو المباشر .لقد أُغري العراق في تلك السنوات الخدّاعة بأن إيران على الأبواب وسقط البلدان في الفخّ الأمريكي وكانا أولى حبات العنقود الأمريكي المسموم الذي مسح وإلى الأبد شيئا كان يسمى مفاعل تموز وشيئا كان يسمى الجيش العراقي الأوّل خليجيا على الأقلّ .
إن المؤمن القديم كان يقول إنه لا يمكن أن يلدغ من الجحر الواحد مرّتين ومع ذلك لدغ مرتين فأنهكته اللدغتان وسقط في الثالثة سنة 2003 مسلما الروح لباريها. أما “مؤمن” اليوم فهو يقول إنه يستعذب أن يلدغ من الجحر الواحد مرّتين بل مرات ويعرف أنه يسير إلى حتفه ويمضي في السبيل نفسها لا يتزحزح عنها. تعلم العربية السعودية أن ما يدور في سوريا ليس إلاّ حربا مذهبية أتت على البلاد برمتها ومزقتها إربا إربا خدمة لإسرائيل التي كانت تتمنى قطع طريق طهران دمشق بيروت وقد كان لها ذلك دون دعاء ولا تذرّع .
تعود السعودية لتنخرط أكثر وأكثر في المشروع الأمريكي في المنطقة ولتضع ما تبقى من المنطقة على الطاولة أمام أمريكا وإسرائيل لتعمل فيه سكين التقسيم الذي سيكون هذه المرّة ماضيا قاطعا ولا تلبس اليد القاطعة الأقنعة المعتادة .وإني لا أكاد أشكّ أن حربا مثل التي تعدّ لها السعودية ستكون قاسية على إيران ولكنها بالمقابل ستكون كارثية على السعودية أولا وآخرا فتقسيم الأراضي السعودية هو الهدف المقصود وهو المرمى البعيد الذي سيكون من بين مقاصده تدنيس المقدسات لتسفيه الإسلام الذي وظّف محرّكا للحروب التمهيدية والذي آن الوقت لتخريبه من الدّاخل ولا أستبعد أن تدنس مقدسات مركزية في الذهنية الإسلامية وقد سبق أن وقع ذلك في العراق وأصيب مرقد الإمام علي بالقذائف وما كان ذلك إلا حلقة في سلسلة طويلة, كما سينفّذ مخطط تحييد مكة والمدينة لجعلهما مقاطعة أو إقليما أو دولة دينية خالصة على شاكلة الفاتيكان تستفيد من ريع الحج والعمرة وتكون دولة محققة للتوازن المالي في المنطقة وإلى جانب كلّ ذلك فالحرب المتوقعة ستمكّن الأمريكان والإسرائيليين من إعداد موازنات جديدة لكلفة إعمار السعودية والإمارات وقطر والكويت بعد الحرب فآلاف التريليونات من الدولارات واليوروات ستكون هي الكعكة الحقيقية التي تحليها مليارات الدولارات المنفقة على السلاح في الحرب المشروع .
إنّ الحرب المشروع وما سبقها من حروب تمهيدية في العراق وسوريا وليبيا واليمن ستكون حرب القرن لأنها ستحقق للأمريكان السيطرة المطلقة اللامشروطة على ما تبقى من منابع النّفط بالشروط الأمريكية المجحفة وهي إلى جانب ذلك ستكون بوابة خلاص الاقتصاد العالمي من أزمته نهائيا ولن يكون ذلك إلا على حساب سوق معولمة تمسح كل القديم وتهدم كل المنجز لتعيد تشكيل الفضاء على الهيأة التي تسمح باستنزاف المنطقة بشكل مفزع ومؤلم .
إن الرابح الأكبر من كلّ ما سيحدث في المنطقة هي إسرائيل التي ربما تعرضت في الحرب إلى صواريخ إيرانية لن يكون لها الأثر المدمّر في واقع ضبابيّ تصنعه الولايات المتحدة وتحاول فيه تحييد الردّ الإيراني ما استطاعت إلى ذلك سبيلا .فإسرائيل ستكون محجة ومثابة لكلّ العرب المهزومين العجزة الخائفين الخارجين من حروبهم منهكين. إنّ دولة الكيان الصهيوني ستكون نواة التنمية والمال والعلم في المنطقة وستسود على الجميع بالقوة قوة الواقع وليس بالتفاوض الوهمي كما هو الشّأن اليوم .
إن العربي الذي يقبل أن يلدغ من الجحر الواحد مرات ومرات بل ويعلم جيدا أنه سيلدغ ومع ذلك يدخل أنفه في مجاهل الأمور هو عربي مشكوك في عروبة والشك على الحقيقة لا المجاز وهو الشكّ الذي يرتقي أحيانا إلى اليقين.كيف لا والحال أن هذه الأسر الموسعة قد استقالت منذ عقود وعقود من انتمائها العربي فساهمت في تقسيم العراق والمناداة بمبادرة مشبوهة لحل الصراع العربي الصهيوني والمشاركة في تقسيم سوريا وليبيا ,هذه القيادات وهؤلاء الحكام كانوا فعلا يلبسون قناع العروبة والانتماء واليوم نزعوه نهائيا ليعلنوا بشكل بشع عن هويتهم الحقيقية التي هي هوية صهيونية خالصة .
إن الحرب المشروع التي كشرت عن أنيابها وقرعت طبولها لا تصلح معها الاحتمالات .الفرضيات بل هي ,مع الأسف الشديد, حرب الحقيقة الواحدة .حرب الحتميات وهي الحرب, وأقولها بمرارة , التي ستجعل للتاريخ “نهاية” على حدّ تعبير فوكوياما ولذلك كلّه فقد حضرني الآن وأنا أكتب هذه الأسطر ما قاله الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أثناء الحرب الأطلسية العربية على العراق :علينا أن نحلق رؤوسنا قبل أن تحلقها لنا أمريكا .”لكن مع الأسف الشديد فلم تعد الحلاقة مجدية.

ملاحظة :يبدو أن ما يقع اليوم من أزمات خليجية صناعة أمريكية وسعودية تتجه بخطى حثيثة نحو ما أشرنا إليه من مشاريع تدميرية .

لا تعليقات

اترك رد