نزيف المشاعر


 
(لوحة للفنان تامر محمد)

حطت طائرة السفر بجناحيها العملاقين على أرض الوطن و فتحت باب الخروج لتبدأ القلوب تخفق في لهفة وشوق لاحتضان من طال غيابهم.
نزل “علي” وبدأ ينظر في كل الأنحاء بعينين ذابلتين و يسير بخطوات بطيئة كتائه لا يعرف اين يمشي..وكأن رجليه غير متفقتان على مسار واحد..او مثل طفل ضيع عنوان بيته. عطر التراب يلفحه مثل نسيم الصباح يداعب أنفه يحاصره من كل جهة.. بدأ يتغلغل بأنفاسه فالتراب لا ينسى أبناءه رغم جحودهم .

استنشقه “علي” بعمق و أرسل تنهيدة طويلة..تمتزج بعذابات مملوءة بحكايا السنوات التي أبعدته.

عيناه ما زالت تتفحص حركات القادمين معه وهم يرتمون في أحضان من جاءوا لملاقاتهم، لا تزال خطواته البطيئة المترددة تعافره فيدفعها بروح متعبة..لا شيء يحمل معه سوى أوراق وجواز سفر وملف يختفي تحت ابطه يمسكه بإحكام.

-بباب المطار كان يقف حائرا…تتزاحم التساؤلات بداخله :ترى هل يتبع شوقه الذي يحمله الى بيته وزوجته وابنه الذين فارقهم منذ عشر سنوات ام يختار الطريق الثاني ويختفي فيه ويكمل مشواره في صمت..و على شفتين متعبتين نال منهما زمن الطيش ما أراد. .ارتسمت إبتسامة، ضوئها يكاااد ينطفئ الا من بصيص أمل حين تراقصت صورة ولده الوحيد أمامه..أخذ يسترجع ملامح وجهه الجميل وضحكاته البريئة حين كان يداعبه في ارجاء المنزل .يا الاهي لقد كبر الآن ، لابد انه لا يتذكرني!!! قالها يحدث نفسه.
ثم ما لبثت الابتسامة أن اختفت حين تذكر اخر مرة ودعه فيها وعمره لا يتجاوز السنتين..كان بين أحضان أمه و يده الصغيرة تلوح له الى ان أبتعد و أختفى. في هذه اللحظات ارتمت امامه كل سنوات البعد والطيش التى عاشها حتى اخر يوم قرر فيه العودة اليهم..و بقي التساؤل يلح بداخله… إن هو اتبع عواطفه و طرق باب بيته ماذا سيقدم لعائلته وكيف سيبرر هجره لهم. و كان قد سمع بعد غيابه أنها خرجت للعمل من اجل ان تعيل نفسها وابنها …زوجته التي تركها من غير سبب ولم يأبه بمشاعرها كزوجة ولم يفكر في ما ستحتاجه بعد غيابه…بل راح يبحث عن نفسه ويرمي أحلى أيام شبابه في أحضان نساء أخريات، انغمس في طبق الحرية الذي كان يبيح له الممنوع والاممنوع.

كل شيء كان يشل حركته ويدعوه للتراجع الى الخلف…ماعدا صورة إبنه العالقة في ذهنه…كانت تناديه أن يتقدم وتعطيه بعض الأمل.

أخذ قراره بعد مخاض عسير بين قلبه و عقله…دفع بخطواته للأمام رغم تعبها و راح يشق طريقه.. يستمد قوته من بعض الهواء الذي استنشقه إثر هبوطه من الطائرة….لم يشعر بمسافة الطريق الا حين وصل الى حارته التي كاد ان لا يعرفها.. أشياء كثيرة تغيرت..البنايات تتنافس في التصاعد.. حتى الوجوه تبدو له غريبة،فهو لم يتعرف على أحد..وكيف يتعرف عليهم و ربما من يراه اليوم في العشرين من العمر كان قد تركه طفلا يلعب.

– المارون ينظرون اليه…يتساءلون من هذا الغريب القادم وماذا يحتاج..كان يقرأ ما يدور في عيونهم ويفهم همساتهم .. أتجه نحو باب منزله دون ان يتعب نفسه اكثر في سؤال او إجابة أحد..عندما وصل تملكه بعض الخوف و بدأت خفقات قلبه تتسارع يده التي تهم بالطرق على الباب اصبحت ترتعش بقوة : هل يطرق الباب ام ينتظر ؟

تردده وخوفه لا ينفعان، الآن هو أمام الباب في مواجهة لما خلفه ..اقنع نفسه بهذا فتلاشى تردده قليلا.. والعيون التي خلفه مازالت تراقبه و تلاحقه مستفسرة.

مد يده في طرق خفيف بعد ان أبتلع بعضا من ريقه وأخذ نفسا عميقا..لم يطل الأمر ،إذ رأى الباب يفتح و وجه ولد يبتسم له ويسأله في شيء من الفضول ((من تكون وماذا تريد؟)) ..نظر اليه “علي” واحس بشعور غريب لم يشعر به من قبل كان يحتضنه بكل ما فيه من شوق دون ان يقترب منه ودون ان يلمسه، و خلف الطفل وقفت إمرأة جميلة..تنظر باستغراب.. بداخلها امتزجت مشاعر الدهشة و اللوم والعتاب..وكأنها تريد ان تقول له (ما الذي اتى بك بعد كل هذه السنين)نظر اليها نظرة هادئة و قال:
ما زلت جميلة لم تتغيري كثيرا..ارى في عينيك قوة كبيرة وثقة.

فقالت:و أرى الغربة التهمت شبابك،في عينيك انكسار وضعف وتردد ..
وفي البهو جلسا وجها لوجه كانت صامته تنتظر منه أن يروي قصصا وحكايات وأن يقدم تبريرات ويطلب المسامحة.

لكنه اختصر كل شيء و مد يده المرتعشة الى الملف الذي كان يتأبطه وضعه على الطاولة،و قال:
فكرت أن أذهب الى احدى المستشفيات…و بنبرة حزينة أضاف ..هذا الملف يحكي قصة انكساري عندما تقرأين قرري وأختاري انت!!
بأي مكان يكون موتي.

لا تعليقات

اترك رد