مع النُوَاسي


 

الحسن بن هانىء بن صباح بن عبد الله بن الجَرَّاح بن وُهَيب
ويقال: الحسن بن هانىء بن عبد الأول بن الصباح أَبو علي الحَكَمي،المعروف بأبي نُوَاس الشاعر ( أوله نون مضمومة ثم واو مخففة)
أبي نُوَاس، شاعر ذُو لِسَان عربي فصيح ولد في سنة ١٤١هـ، و مات في سنة ١٩٩هـ ، ابو نُوَاس غني عن التّعريف يعرّفه قرّاءالأدب و رواتهُ
حيث كانت حياته قاسية منذ الطفولة و كان لموت أبيه الأثر الأكبر في انعطافها حيث قررت أمه ان تسلمه إلى الكتاب، ثم إلى عطار يعمل عنده أجيراً، يبري عيدان الطيب،

نشأته الأولى فيها غموض كثير و فيها اختلاف و اضطراب ،لا أحدثك إذن عن نشأة أبي نُوَاس و حياته ، فإن ذلك يحتاج من البحث و التحقيق العلميين إلى ما لا تحتمله الصحف السيارة ، إن أبا نؤاس كان مثالاً صادقاً للعصر الذي عاش فيه ،و إن العصر كان يمتاز بالشَّك و المجون و إيثار اللذة، إن شعراء هذا العصر و أدباءه كانوا قد اتخذوا لأنفسهم قاعدة ، هي أن يستمتعوا بلذات الحياة ما استطاعوا ،فإذا أدركهم الشيب و الضعف لجئوا إلى عفو الله و لاذوا به

ابو نُوَاس له ابيات يراها رواة الأدب انها أخر ما كتبها عندما أشتدت عليه أزمته الصحية و تعبر عن توبة صادقة بعد حياة سقيمه ،حيث خلَّف ثلثمائة درهم ، وبين مخدتيه رقعة فيها هذا الشعر :

يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً
فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ
فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
أَدْعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً
فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلاَّ الرَجا
وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

و يذكر ابن عساكر
أَخْبَرنا أبو عبد الله الفراوي ،أَنا أبو عثمان البحيري ،أَنا أبو قاسم عبد الخالق بن علي المؤذن ،حدثني أبو بكر أحمد بن مُحَمَّد بن موسى الأصبهاني قال: رأى ابو نُوَاس في المنام :فقيل ما فعل الله بك؟ قال : غفر لي بأبيات قلتها في النرجس و التي تعتبر دليلًا على التوحيد:

تـَأمَّـلْ فـي نـَبــاتِ الأرْض ِوانـْظـرُ
إلى آثـار مـا صَـنـَــعَ المَـلـيــكُ

عُـيـونٌ في لـُجَــيْـن ٍ شــاخِـصـاتٌ
بـِأحْـداق ٍهِـيَ الـذهَـبُ السَّـبـيـكُ

عـلى قـُضـُبِ الـزَّبَـرْجَـد شــاهِـداتٌ
بـِأنَّ اللهَ لـــَيْـسَ لــَهُ شـَــــريــكَ

لا تخلو حياة أبو نُوَاس عن اللهو كسائر الناس إلا انه ازداد عنهم و أصبح في المقام الأول في عصره و القرون التالية مثالاً يحتذى به في التسكع ،أصبح شاعر الخمرة و إماماً لها بلا منازع ، ذلك كله ظهر في شعره و المواقف التي حصلت معه

الخمرة عند أبي نُوَاس تحظى بمكانتها
و ذلك لأن أبي نُوَاس يعتبر الخمرة المتنفس الوحيد الذي تستأثره فهي أحبها الى نفسه لأنها تنقله من واقعه المرير الى واقع يرسمه بخياله عند ثمالته، يطوف بها أروقة بغداد وليس غريباً ان يكون كلاهما أوفياء لبعض و ذلك بسبب ضروب الحياة القاسية التي عاشها

ألا فاسقِني خمراً، وقل لي: هيَ الخمرُ،
ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ

فما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكرة ٍ،
فإن طال هذا عندَهُ قَـصُــرَ الـدهــرُ

و ماالغَبْنُ إلاّ أن تـرَانيَ صـاحِـيا
و ما الغُنْـمُ إلا أن يُتَـعْـتعني الســكْرُ

فَبُحْ باسْمِ من تهوى ، ودعني من الكنى
فلا خيرَ في اللذّاتِ من دونها سِتْر

ولا خيرَ في فتكٍ بدونِ مجانــة ؛
ولا في مجونٍ ليس يتبعُه كفرُ

بكلّ أخي فتكٍ كأنّ جبينَه
هِلالٌ، وقد حَفّتْ به الأنجمُ الزُّهرُ

و خَمّـارَة ٍ نَبّهْتُـها بعد هـجْعـَـة ٍ ،
و قد غـابت الجوزاءُ ، وارتفعَ النّسـرُ

فقالت: من الطُّرّاق ؟ قلنا : عصابة
خفافُ الأداوَى يُبْتَغَى لهُم خمرُ

ولا بدّ أن يزنوا، فقالت: أو الفِدا
بأبْلَجَ كالدّينَارِ في طرفهِ فَتْرُ

فقلنا لها: هاتِيهِ، ما إن لمِثْلِنا
فديناك بالأهْـلينَ عن مثل ذا صَبــرُ

فجـاءَتْ بهِ كـالبَدْرِ ليلَة َ تـمّــهِ ،
تخالُ به سحراً، وليس به سحْرُ

فقُمنـا إليه واحداً بعدَ واحِـدٍ،
فكـان بهِ من صَـومِ غُـربتنـا الفِــطــرُ

فبِتنا يرانا الله شَرَّ عِصابة ٍ،
نُجَرّرُ أذْيالَ الفُسوقِ ولا فَخْرُ

و يذكر الرواة ، ان أبو نُوَاس يوماً ما رأى سكران يتمايل في الطريق ،فعجب الناظرون و سألوه : ألم تنظر من قبل إلى سكران ؟
قال ومن أين لي أن أرى السكارى ، و أنا أول من يسكر و اخر من يفيق؟

يذكر طه حسين ان أبي نُوَاس لم يكن يحب النساء،فلم يكن من الميسور أن يهيم بهن، و إنما كان يجيد الغزل بالغلمان
ومع ذلك فقد تغزل ، تغزل لأنه شاعر ، ولأنه من الحق على كل شاعر أن يتغزل ،فالغزل فن من فنون الشعر يجب على الشعراء المجيدين أن يطرقوه و يأخذوا منه بنصيب و قد طرقه أبو نُوَاس و قد و أخذ منه بنصيب

أضْرَمْتَ نارَ الحبّ في قلْبي ..ثمّ تبرّأتَ من الذّنْبِ
حتى إذا لَجّجْتُ بحرَ الهوَى..و طمّتِ الأمواجُ في قلبي
أفشيتَ سرّي ، وتناسيتني.. ما هكذا الإنصافُ يا حبي
هبْنيَ لا أسطيعُ دفْع الهوَى.. عنّي ، أما تخشى من الرّبّ؟

إِنّي عَشِقتُ وَمَا بالعِشقِ مِن باسِ
ما مَرَّ مِثلُ الهَوى شَيءٌ عَلى راسي

مَا لي وَلِلنَّاس كَمْ يَلحَونَني سَفَهاً
ديني لِنَفسي وَدينُ النَّاس لِلنَّاسِ

ما لِلعُداةِ إِذا ما زُرتُ مالِكَتي
كَأَنَّ أَوجُهَهُم تُطلى بِأَنقاسِ!

اللَهُ يَعلَمُ ما تَركي زِيارَتَكُم
إِلّا مَخافَةَ أَعدائي وَحُرّاسي

وَلَو قَدِرنا عَلى الإِتيانِ جِئتُكُمُ
سَعياً عَلى الوَجْهِ أَو مَشياً عَلى الراسِ

وَقَد قَرَأتُ كِتاباً مِن صَحائِفِكُم
لا يَرحَمُ اللَهُ إِلّا راحِمَ الناسِ

اما في الزهد قال أَبو العتاهية: قد قلت عشرين ألف بيت في الزهد، وددت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نُوَاس :

يا نُوَاسي توقر أو تعزا و تصبر
إن يكن مــاءك دهــرٌ فلما سرَّك أكثرْ
يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر

___________________
بعض من المصادر
-الدكتور طه حسين (حديث الأربعاء-الجزء الثاني)
-ابن عساكر الحافظ أبي القاسم (تاريخ مدينة دمشق -الجزء ١٣)
-عباس محمود العقاد (كتاب ابو نواس)

لا تعليقات

اترك رد