هل تسمح القوى المرتهنة للقرار الإيراني للعبادي بأن يبحث عن تأييد للعراق من البوابة السعودية؟


 

زيارة العبادي للسعودية المتأخرة في 19/6/2017 هي الأولى منذ تسلمه منصبه في نهاية عام 2014 إلى كسب تأييد سعودي لمرحلة ما بعد داعش وفي نفس الوقت هل ينجح في إعادة العراق إلى محيطه العربي؟، خصوصا بعدما اتخذت السعودية بعد قمة الرياض التي حضرها ترامب واجتمع مع القادة العرب وقادة الدول الإسلامية وقررت قمة الرياض وقف الأجندات المختلفة من تمويل سياسي ومالي لدعم طرفي النزاع في المنطقة سواء في العراق وسوريا وليبيا واليمن التي تنشئ نزاع داخل الدولة.

لأن سلطة المال وسلطة المليشيات هما سلطتين لا تنبع من رغبة الشعوب ولكنها تمويل أحزاب وعدد من النواب يأتي عن طريق بنوك ومؤسسات خيرية أو غير خيرية، ولكن بعد حصار التمويل السياسي والمالي من دولة قطر التي تتعامل مع إيران وتركيا في عدد من الدول منها العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن ولبنان لابد له أن ينتهي.

لكن مراقبون يرون أن محاولات العبادي قد تجد عراقيل جمة أهمها من المليشيات التي ترتهن بالقرار الإيراني ما يصعب كسب ثقة الفاعلين الإقليميين للدول العربية خصوصا السعودية، وفي نفس الوقت هل تسمح تلك المليشيات بارتقاء المجلس التأسيسي الذي اتفق العبادي على تأسيسه مع السعودية إلى المستوى الاستراتيجي؟.

يستشهد هؤلاء المراقبين بضغط هذه المليشيات على العبادي بتغيير السفير السعودي ثامر السبهان في أغسطس 2016 بعد اتهامه بالتدخل في الشأن الداخلي العراقي، لكن زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لبغداد في 25 فبراير 2017 كانت الأولى لمسؤول سعودي منذ عام 1990 أعطت تلك العلاقات فرصة في تمتينها.

خصوصا وأن في العراق من يؤكد على أهمية عودة العراق إلى محيطه العربي وهذا لا يعني قطع العلاقات مع إيران لأنها هي الأخرى دولة جارة ولكن وفق علاقة الدول بعضها مع بعض، ويرفض مثل هؤلاء هيمنة إيرانية على القرار العراقي والتدخل في الشأن العراقي واعتبارها ساحة أو معبر إلى بقية الدول العربية وتشكيل ما يسمى بطريق الحرير الإيراني القادم من طهران وبغداد عبر سوريا إلى لبنان والبحر المتوسط.

وفي نفس الوقت من ينظر إلى تصريحات نائب الرئيس العراقي إياد علاوي قبل زيارة العبادي للسعودية عند زيارته للقاهرة اتهم فيها قطر بتبني مشروع تقسيم العراق كان يتضمن الدعوة إلى إقامة إقليم سني مقابل إقليم شيعي والتدخل في الشقاق الفلسطيني وتشجيع قوى متطرفة في اعتداءات مصر، وطالب علاوي إلى أنه آن الوقت بأن يتحدث الجميع بصراحة ووضع النقاط على الحروف حتى الوصول إلى نتائج.

ويرى علاوي أن عزل أي دولة مهمها كانت حتى لا تؤذي جيرانها، وقبل تلك التصريحات أثناء زيارته القاهرة في 15/6/2017 اتهم كذلك إيران بمصادرة القرار العراقي بدعمها لفصائل شيعية وطالبها بعدم التدخل في شؤون العراق مشيرا إلى دور إيران في تأجيج الانقسامات الطائفية وهي التي عرقلت جهود تجاوز الانقسامات الطائفية قبل الانتخابات البرلمانية في العام القادم.

ولا تزال إيران تتدخل في الشأن العراقي خصوصا بعد نهاية زيارة العبادي للسعودية صرح خامنئ بأنه يرفض وجود قوات أمريكية في العراق حتى تحت بند التدريب وهو ما يتعارض مع السيادة العراقية وتدخل في الشأن العراقي بل وحذر خامنئ العبادي من التعرض للحشد ما يعتبر تهديد للعبادي نفسه مباشرة هذه المرة من خامنئ.

ما يعني أن زعماء العراق يأملون في استعادة السيطرة الكاملة على جميع الأراضي وهزيمة داعش، ويطالب علاوي بعدم تدخل إيران في الانتخابات المقبلة وأن العراق لا يريد انتخابات طائفية وإنما عملية سياسية شاملة دون تدخل من أي قوى خارجية.

عقود السلاح الأميركي تمنح السعودية مفاتيح التوازن الإقليمي ويمكنها أن تنهض بدور عسكري أكبر في المنطقة بمواجهة إيران ومخاطر الإرهاب حيث ستحصل السعودية على صواريخ ثاد التي تريد واشنطن نشرها في كوريا الجنوبية في مواجهة صواريخ بيونغ يانغ ولم يتم إنتاج سوى عدد محدود منها للسعودية تحميها من الصواريخ البالستية الإيرانية.

يقول جون كابيلو الخبير في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات المركز الفكري الأقرب إلى المحافظين في واشنطن هناك إشارة واضحة من إدارة ترامب إلى أنه سيكون هناك مستوى مختلف من التعاون مع السعودية، وأنه كما في أوربا وآسيا تريد إدارة ترامب أن يكون لديها حلفاء يلعبون دورا أكبر في ضمان أمنهم بدون الاعتماد على الجيش الأمريكي وهو ما تريد واشنطن تطبقه مع السعودية.

أي أن السعودية أصبحت قوة رافعة للدول العربية التي تعاني من التدخل الإيراني وخصوصا العراق بعدما كان العراق في الماضي يمتلك قوة رافعة ورابع جيش في العالم كحائط صد لحماية العرب من إيران، لكن الخطط الأمريكية من أجل إسرائيل فككت تلك القوة حتى أصبحت المنطقة العربية من دون حائط صد ومن دون حماية، لذلك ترى الولايات المتحدة تعويض المنطقة في مواجهة إيران بتعزيز القدرات العسكرية السعودية وأن تتحمل الجزء الأكبر من العبء في مواجهة المخاطر الإقليمية وخصوصا تهديدات إيران على الأمد الطويل كما تعزز قدرات السعودية في المساهمة في عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة.

وقسما كبيرا من هذه الصفقة التي تعد الأكبر في التاريخ كانت تجري مناقشته منذ سنوات والتي أظهرت هذه الصفقة الضخمة التي يمكن أن تصل إلى 380 مليار دولار لإظهار الأمر كقطيعة مع الماضي وبداية عهد جديد.

كما يرى الأمريكيون أن الأمر يتعلق بتعزيز قدرات الردع في مواجهة البحرية الإيرانية التي تعد تهديدا لحرية الملاحة في المضيقين الاستراتيجيين هرمز في الخليج وباب المندب في البحر الأحمر، وهو ما يجعل السعودية شريكا مهم بكثير في التعامل مع التهديد غير المتكافئ الذي تشكله إيران في المنطقة.

تريد الولايات المتحدة باتجاه نشر أسلحتها في كل دول الخليج على أمل أن تقوم هذه البلدان بزيادة قدراتها العملانية المشتركة بقيادة السعودية لتتمكن من تشكيل بنية دفاعية جماعية ضد إيران، وإعلان الرياض خطوة للتقدم نحو هذا التحالف الإقليمي ما يسمى حلف أطلس عربي.

لذلك يمكن للعبادي أن يثق في تلك الرافعة وفي هذا التحالف السعودية ومصر وأن ينهج في علاقاته الداخلية والخارجية معا سياسة واضحة وفق مستقبل العراق كبلد له ماضي عريق وليس وفق ما تقتضيه المصلحة الانتهازية بل عليه أن يكون قائدا للعراق على غرار قوله الصريح والجرئ عندما قال أن القائد الضرورة سلمه خزينة الدولة فارغة ولكن دون أن يصرح باسمه ولم تكن الظروف في ذلك الوقت مواتية فاضطر إلى أنه يعتذر ويقول أن كان يقصد قائد الضرورة صدام حسين وليس نوري المالكي، لكن تضايق الشعب العراقي من مثل هذا الإنكار والتراجع، لكن في الوقت الحاضر لدى العبادي رافعة إقليمية وعربية ودولية.

وللعبادي مواقف مشرفة خصوصا عندما تساءل هل إن قتال أبطالنا ومحاربة الديكتاتورية هي من أجل أن تحكمنا عصابات؟ وواصل تساؤله التي استخدمت السلاح في الخطف ضد المجتمع لإضعاف هيبة الدولة، لكن زعيم مليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي وهو حكومة فوق الحكومة رد على الرئيس وقال من ينتقص هيبة الدولة وذكره ببعض الاختراقات من مليشيات أخرى والتي لم يكن العبادي حينها قادر على محاسبتها.

كذلك غضب قاسم سليماني على العبادي بعد التقائه ترامب ووعده بمزيد من الدعم الأمريكي لمقاتلة داعش وانضم إلى قاسم سليماني هادي العامري ونوري المالكي وسفير الولي الفقيه في بغداد وأظهروا له العين الحمراء واعتبروها مودة زائدة من العبادي لترامب لكن عندها حاول العبادي ترطيب الأجواء، لأن البيت الأبيض فضح تفاصيل الزيارة عندما طلب ترامب من العبادي على ضرورة التعاون على لجم الحشد الشعبي والمليشيات التي تخضع لتوجيهات إيران وأوامرها.

لكن بعد زيارة العبادي للسعودية فإن هناك مؤشرات تقود إلى ضرورة تغير مواقف العبادي خصوصا وأن الجانبان اتفقا على ضرورة تكثيف العمل المشترك لمواجهة التحديات وفي مقدمتها مكافحة التطرف ومحاربة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره خصوصا التي تمس أمن واستقرار البلدين والمنطقة، وشددا على ضرورة نبذ روح الكراهية والعنف والتمييز الطائفي والتأجيج المذهبي وعلى أهمية تجفيف منابع الإرهاب وتمويله إلى جانب تكفل السعودية بإعمار العراق، لكن أمام تحقيق تلك الاتفاقيات الواضحة هناك تحديات كبرى لأن إيران زرعت مليشيات أقوى من الجيش العراقي فكيف يتصرف العبادي؟ وهل تقدم أمريكا على دعم العبادي بقوات أمريكية لحماية قراراته المستقبلية، المستقبل سيجيب على تلك الأسئلة.

لا تعليقات

اترك رد