الخراف والثعالب ….!


 

بات الجميع يهزأ منا، ويسخر من عقولنا ويتعامل معنا على أننا مرضى وحمقى، نعاني من طفح السذاجة وشره الغباء، إلى درجة أنهم لا يعيرون عقولنا أدنى احترام. فلم يتبقى من أحد على وجه الخليقة إلا واستهزأ بنا:

السياسيون يتكلمون ويصرحون بأقوال كاذبة، وكأننا أنعام ضالة لا تفقه ولا تعي شيء، وهم ينظرون إلينا على أننا مجرد كائنات مجترة لما يقدموه لنا من علف فكري فاسد ولا يكترون إن كان العلف منته الصلاحية أو لا. ولا يبالون بأوجاع السواد المنهك، ولا يكتفون بعد الاكتراث بل هم يتاجرون بتلك الاوجاع كسلعة تدر لهم الأموال وتملأ أرصدتهم بالمزيد من الثراء الفاحش. سابقاً كان السياسي يملك القليل من الحياء وكان يسرق في الخفاء؛ لكنه اليوم يسرق في وضح النهار فلم يعد هناك من ضمير ولا وازع يردعه ولا يشعر بالخوف من شعب كخرافٍ تخور وتتضور جوعاً. سياسيون يبيعون أوطانهم برخص الضمير وقلة الوجدان والحياء ويسلمون مفاتيح بلادهم للسائحين والأغراب دون أن يهتز لهم نبض.

أهل العمائم والمشايخ يتاجرون بالدين ويستثمرونه كمشروع استثماري ويتقاسمون الأرباح مناصفة ما بينهم وما بين السلاطين والقوى الخارجية التي تدعمهم وتحيك لهم خيوط المؤامرة بواجهة دينية. فنجد الدعاة يملؤون الشاشات يسخرون من عقولنا بفكر رجعي من خلال سير وحكايا قديمة لم تعد تتلاءم أفكارها مع معطيات العصر الراهن. وكذلك زعماء الطوائف يتشدقون على المريدين الصم الكم العمي؛ فيجندونهم في خدمة ايدولوجياتهم السياسية بغطاء ديني. ويحشون رؤوسهم بأفكار مسمومة ليتفشى طاعون الفتنة الطائفية ويجعلون من أنفسهم أبطالاً يدافعون عن كرامة الأمة كما يفعل زعيم حزب الله بخطبه العصماء عن معادته لإسرائيل وهو في واقع الأمر لا يتجرأ على أن ينظر اتجاه تل أبيب إلا بإذن من إسرائيل. لفترة طويلة وهو يسخر من عقول العاطفيون المتعطشون لزعيم فاستطاع أن يخدعهم من خلال حروب مفبركة وصواريخ خلبية كانت بالاتفاق مع إسرائيل ليعطي حزبه صفة المقاومة وبهذا استطاع بدعم فارسي أن يخدع العاطفيون. وها هو اليوم يوجه كل مدافعه وصواريخه إلى الأراضي السورية ليفرغ المناطق من سكانها الأصليين ويدخل طائفته ليحتلوا المكان والزمان.

أما المشايخ فهم منشغلون في اصدار الفتاوى وفي الولائم وتكبير بطونهم مما طاب ولذ من طيبات الله وأنعمه. علماء الغرب وصلوا إلى ما بعد القمر وعلماؤنا ما يزالون يختلفون بأي قدم يدخلون الحمام. دعاة يتكلمون بوجل وخشوع وفي الحقيقة هم يتقاضون أجر الوجل والخشوع فأقل داعية يتقاضى لا يقل عن 3 مليون دولار سنوياً من خلال برامج رتيبة ومستهلكة. أولئك الذين يشترون ويبيعون بآيات الله بثمن بخس. وفي النهاية هم يسخرون من مشاعرنا وعواطفنا.

إيران، الثعلب الفارسي والقوة العظمى والتي تتحدى أمريكا ومجلس الأمم بعدم تنازلها عن برنامجها النووي لما تملكه من ثقة. تسخر من عقولنا وتريد منا أن نصدق السيناريو المفبرك بسذاجة وإخراج ضعيف عن تسلل جماعات من داعش إلى قلب إيران وإلى أعظم أرض مقدسة لديها وأغلى ضريح وهو الخميني، وكأنها تسوق ” الهبل” فمن ذا الذي يقدر على الوصول إلى ذاك الضريح المقدس بهذه السهولة؟ لكنها ارادت أن يكون لها حجة للتوغل في الأراضي السورية واستطاعت من خلال هذا السيناريو أن تضرب أقصى منطقة وهي ” دير الزور” بحجة الرد على داعش. وكأننا شعوب لا تفقه مخططها الذي يرمي إلى فتح طريق ممتد من الأراضي العراقية مروراً بدير الزور وصولاً إلى الرقة ممتدا إلى اللاذقية وهو المخطط المتفق عليه بين القطب الثلاثي ” النظام – روسيا – إيران ”

تركيا، الثعلب العثماني المتخفي برداء الإسلام والحمل الوديع الذي يناصر المسلمين والعرب. من وقع الخلاف الخليجي مع قطر حتى ركضت لاستغلال الأزمة واحتضنت قطر لما في ذلك من مصالح استراتيجية توسعية وتخلت عن حليفتها السعودية بثوان، ولم يكتف الأمر عند هذا الحد بل طلبت إقامة قاعدة عسكرية اسوة بالقاعدة الامريكية. فهي كذلك تسخر وتستغل الوهن العربي، وخاصة أن اوردغان مثله مثل زعيم حزب الله استطاع أن يلف حوله جماهير كبيرة من خلال مزاعمه حول غيرته على الدين الإسلامي. فالكل ينهش بعقولنا ويهزأ من ضعفنا وتفككنا والغباء الذي صار يقطر من أكمامنا.

المثليين، هم الآخرون يسخرون من الدين ويهزأون بالمقدسات ودور العبادة ويبتدعون أشكال جديدة ما أنزل الله بها من سلطان. من حقهم أن يعيشوا حياتهم ويعبروا عن شذوذ رغباتهم لكن ليس من حقهم وليست حرية شخصية أن يعبثوا بأصول الدين من خلال مزاجهم واعتقادهم بأن من حقهم أن يمارسوا ما يرغبون دون أن يراعوا قدسية دور العبادة. وما حدث مؤخراً في ألمانية في افتتاح مسجد داخل كنيسة هو قمة السخرية والاستهزاء بمشاعر الآخرين.

الإعلام، هو أكثر الذين يسخرون بعقولنا ويهزأ بأحزان الناس، من خلال المفارقات الكبيرة في برامجه والأموال الباهظة التي يدفعها كنفقة على البرامج السطحية؛ وبالطرف الآخر هناك مئات الآلاف من اليمنيين الذي يعانوا من أمراض معدية وخطيرة وهم بأمس الحاجة للدواء والغذاء، الأعداد الكبيرة من المشردين بلا مدارس ولا تعليم من السوريين والعراقيين واليمنيين، الذين لفظتهم حروب بلادهم إلى الشوارع دون أن يحظوا بفرصة التعليم وحتما سوف تكثر الأمية في الوطن العربي وهو ما تسعى له الدول الاستعمارية. فمن يراقب حال الأمة على شاشات التلفزة لا يصدق بأن هناك الملايين من الجائعين والمشردين والذين يعيشون تحت خط الموت والقهر.

الكل يعبث بنا ويهزأ من عقولنا الضحلة وجميع الأطراف العربية والدولية تسخر من الغباء الذي وصلنا إليه فلم يعد لنا أي قيمة واحترام ولم يعد لعقولنا وتحصلينا العلمي أي معنى طالما أن الجميع ينظر إلينا على أننا قطيع من النعاج ليس لها كبش ولا زعيم يقودها أو يهديها إلى الطريق الصحيح. في أي زمن نعيش نحن؟ حتى زمن الجاهلية كان أرحم من هذا الزمن الموبوء، حتى إنسان العصر الحجري كان أكثر قيمة واحتراماً من إنسان هذا العصر. إلى أين يودون أن يأخذوننا فهل ظل هناك من مكانة أردى من المكانة التي أصبحنا عليها؟

المقال السابقمشكاة الدرر
المقال التالىدستة أشرار و”شهبندر التُجار”
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد