الشاعر ادوارد ف. اورتنز والتحديد المسبق

 

• كيف تثار صور الواقع بكثافة شعرية محددة ؟

إن المقطوعة هي جزء من القصيدة ككل ، من أسلوبها في التأمل الناضج ، هي تشبه الأوتار التي تؤلف معا لحنا جميلا، عذبا ، شجيا ، وأحيانا تصمت لتسمح للشاعر أن يسمو بأفكاره وهمساته وأحلامه ،إن العيب ليست في المقطوعة ذاتها ،إن حددت أكثر من اللازم ،وفجرت نفسها في محاولة منها للتنفس ، فان تحديد المقطوعة ،عبارة عن تخيل بصور كثيفة لصورة الواقع ،وفي نفس الوقت ، لمسة خفيفة للانسجام مع صور مجازية ، فإن عدم الدقة في التصوير ، يكبر دجنة النص بعيدا عن المكون الشعري ،ويصبح الانطباع مبهما ، فالمقطوعة عندما يحددها الشاعر لتفسير نقطة أو مخطط لصورة تتجلى بعدها صور أخرى محددة ،فهي تهدف إلى إطلاق القصيدة إلى عوالم واسعة ، من المعاني والإيحاء الفكري دون الغوص في متاهات مبهمة ، الشاعر النمساوي( ادوارد ف . اورتنر ) يبدو شغف تمرده على الواقع ،والواقع الشعري ، في تجليات مخيلته المميزة ،في التصور والتحديد ، من الصعب فهمها ، وكأنها ولدت لإيجاد حياة جديدة من المقطوعة الأولى ( التحديد ) إلى المقطوعة الرابعة ( الرضا ) .

(( ضربت رأسي بالغوص
في حياتك
فلطالما انهج في الهواء
سأحمل أسمك ))

هذه الطريقة في الكتابة تؤدي الى المعاني المجازية ، التي تجهد أحيانا الفكر الآخر ، ولا يمكن الخلط بين الصورة والموضوع ، فهما جنبا إلى جنب ،أن التكثيف بينهما ليس هدف محدد للكتابة العامة ، على الرغم انه يحقق أهدافه المرسومة ،في النص الشعري المتألق بالعاطفة الإحساس ، فأن الحماس والانفعال حالة فنية للعقل ، عندما يحدد الشاعر ادوارد صور واقعية جريئة ،وتأملية في نفس الوقت ،يمسك بقوة تروض لصالح المقطوعة الشعرية حيث تجعلها منطقية ،بأسلوب معين ، وهكذا يطلق العنان للقوة العاطفية الإنسانية ، لأن تظهر عن المألوف ، والتعليق بما هو غير مألوف ، والإبحار في الرؤية النظرية والحسية بأفق أوسع ،بالاقتراب من التحديد المسبق ، لذا كلما كانت أكثر نجاحا وتأثيرا ، تركت مجالا أوسع لمخيلة القارئ

(( افتح عينيك
افتح أذنيك
افتح فمك
قبلة واحدة
تسد العيون والأذان ))

إن عظمة الشعراء تكمن في اكتشاف وتفجير طبيعة الفكرة ، قديمة أو تقليدية ، بإيقاظها بأسلوب معين ،بفكرة جديدة حتى لو كانت محددة ، فقوة الشعور فيها بلا حدود ، في الخيال والإحساس ، ( لها وجه واقعي ) إذا الصورة واقعية ، يؤجج الشاعر ادوارد فوضى الحساسية بكثافة صورية فنية ، ليسمح للتأويل والتأمل العميق يأخذ دوره ، فقد صح قول

أرسطو : ( إن الشعر هو ليس الفن ألأكثر تكثيفا فحسب ، بل هو أيضا الفن الأكثر فلسفة ) ربما يحتاج الشاعر إلى كلمة واحدة تكفي باقي الأسطر ، إلى كلمة حسية واحدة ، لتجعل الصورة الشعرية ،تقفز للذهن بسرعة فائقة ، على الرغم إن مخيلتنا قد تصور وتنتج صور عدة غير محددة ، لنفس الفكرة المحددة مسبقا .

(( لها وجه واقعي
نهديها شامختان
تضحك ، تأخذك بين يديها
تتحدث ، صوب أعلى السلم
سيدي : 300 يورو ! ))

هذه الصور الشعرية تعري الواقع ، وهو جزء محدد لواقع كبير غير محدد ، في الانهيار الواقعي ، أو إفلات الحرية الواقعية ، في مجتمع لا حدود للحرية إلا ما ندر ، فكل شيء بثمن حتى الغانية حددت الثمن مسبقا ( 300 يورو! ) انه إجهاد الشاعر لإعطاء الواقع فكرة معززة بحياة شعرية ،وتصعيد الفكر إلى مستوى أن تكون شيئا جديدا آخر . أن الشاعر ادوارد في المقطع الرابع ( الرضا ) ليس على عجلة من أمره ،فالسفر عنده شيء عادي ، روتيني ، ( نحن نسافر – فلسنا على عجلة ) يوحي إن السفر الدنيوي من مكان لآخر ، كالمأكل والملبس والماء لا يحتاج إلى عناء يذكر ، ( نحن الذين نحددها ) فلا روتين ولا ملل ولا أوراق ولا استعانة بأحد ، ولا تفكير في سعر التذكرة ، فهو يذهب إلى أي مكان وقت ما يشاء ، بأمان ،ويسر ،وحرية ،والكرامة الإنسانية محفوظة ، صور ايجابية للرضا بالواقع ، كل شيء متوفر فلماذا لا يرضى ؟ عنده ( السعادة – قبلة ) آخر الليل ، وينتهي كل شيء .

(( نحن نسافر
فلسنا على عجلة
والسرعة نحن الذين نحددها
وما السعادة إلا قبلة
تداوي الليل ))

هكذا يكشف لنا الشاعر ادوارد حقيقة الواقع بصور مكثفة ، من معنى تجربته الشخصية ،فلم يبحث طويلا عن الصور ،فهي موجودة أصلا في واقعه الغير المحدد ،وفي ذاكرته الشعرية الغير محددة ، ولها مطلق الحرية للتجول في الواقع لكن حددها الشاعر مسبقا لمعنى وغرض شعري وفكري واضح .

****************************************

الشاعر ادوارد ف . اورتنر
– مواليد 1955 م مدينة غراتس النمساوية
– اصدر ( 4 ) دواوين شعرية
– يعد النقاد قصائده محاولة فنية لترتيب وإعادة الحياة .

لا تعليقات

اترك رد