فسحة معرفة 18 – النزاهة لا دين له


 

هناك جدل كبير حول حاجة الاخلاق الى الدين، و هل الدين من يوجد الاخلاق والسلوك القويم ، أم ان القيم الأخلاقية للإنسان هي مشتركات بين بني البشر ، فالحسن ما يستحسنه العقل والقبيح ما يستقبحه العقل وأقصد بالعقل هو العقل المجرد ، لذا لا حاجة لنا بدين يعلمنا ان الصدق والنزاهة والوفاء بالعهد وأداء الأمانة هي فضائل إخلاقية ، وان الكذب والسرقة والفساد والغش هي رذائل أخلاقية ، ولكن الدين يعلمنا الاستقامة الأخلاقية.

فهناك نماذج كثيرة تلتزم بالقيم الأخلاقية باعتبارها قيم إنسانية عالية وليست دينية .
دعوني في هذه الفسحة أخذكم الى نموذجا عراقيا نزيها وكانت اسما على مسمى وهي الطبيبة والوزيرة العراقية الأولى نزيهة الدليمي (1923-2007)

ذات يوم وفي صيف بغداديٍ قائض عام 1959 م رن جرس هاتفها ، وكان على الطرف الاخر مرافق الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم ، طالبا اليها الحضور الى وزارة الدفاع ، لم تعرف الوزيرة النزيهة سبب الطلب ،فبقت متحيرةً محرجة ، ماذا عساها ان تجيب لكنها وعدت المتصل بالحضور لم تكن الطبيبة الشيوعية تملك ثمن التاكسي. لقد فتحت عيادتها للفقراء مجاناً وكانت تشتغل بالسياسة أكثر من عملها في الطب . ظل الزعيم ينتظر وصول الطبيبة ، لكنها تأخرت ، سأل عنها ولكن دون جواب ، وأخيراً وصلت ، لم يدر في خلد الزعيم ان وزيرته استقلت الباص رقم 4 الذاهب الى الباب المعظم ، حيث تقع وزارة الدفاع ، وان سبب تأخير ها عدم امتلاكها لأجرة التاكسي .

نزلت وسارت مسافة طويلة تحت الشمس الحارقة، من البوابة الخارجية حتى بلغت مكتب قاسم، وهي تتساءل عن السبب الذي دفعه لاستدعائها. لم يكن المنصب يخطر ببالها، دخلت الى غرفته وألقت التحية علية فاستقبلها مبتسما ، ثم قال لها إنه بصدد استحداث وزارة جديدة للبلديات ويريد منها أن تقترح هيكلاً لها وتكون وزيرتها، نظرت اليه بدهشة وقالت له: أنا مواطنة بسيطة وطبيبة لا تفهم شيئاً في الوزارات». لكنه ضحك وشجعها قائلاً إنه يثق بها وبقدرات النساء على المشاركة في بناء البلد.

لكن الزعيم أصر على توزيرها فكان ما اراد، لقد صنعت نزيهة تاريخا ً للنزاهة في العراق ، كما عرفت ان الواجب يحتم عليها مواصلة الدرب الذي اختارته لنفسها بنفسها.

كان السياسيون يؤمنون ان السياسة ليست مهنة بل هي هما إنسانيا ً. يحمله من تقع عليه المسؤولية من اجل الناس ، كما كانوا يعلمون ان المسؤولية ليست سيارات مصفحة وحمايات وامتيازات بل هي تكليف بالنيابة عن ابناء البلد وهو واجب وطني ، لذا كانوا يسيرون دون بهرجة او تعالي ، لكن الامر تغير وأصبحت المسؤولية تشريف وامتيازات يحظى صاحبها بما لذ وطاب من مغريات الدنيا ، لم تتعلم نزيهة النزاهة من الجوامع او الكنائس ولم تعرف المسؤولية من خلال الأحاديث والآيات بل تعلمتها من حسها الانساني ، كانت شيوعية علمانية ، لكنها عشقت الوطن وعاشت له ، لذا ماتت مهملة منسية في منفاها بألمانيا ودفنت في بغداد التي أحبتها، لم تكترث لذلك و لم تتضجر يوما ولم تطالب بحقوقها كمواطنة بل آمنت ان المسؤول اول من يضحي وآخر من يستفيد.

لا تعليقات

اترك رد