الوطن المواطن السلطة – ج2


 

أعتقد أنه حان الوقت، أكثر من أي وقت مضى، لكي نعيد النظر في واقعنا من خلال مرجعية فكرية واحدة خاصة بنا ومشتركة بيننا تقرُّ بها الغالبية العظمى في المجتمع العربي، بل وتعتبرها وترى فيها أيضا عاملاً يوحد بينها وبين كل البلدان العربية والإسلامية.

وأقصد بهذه المرجعية الذات العربية أو الهوية العربية، إن شئنا في شموليتها. وأعتقد أن هذين المفهومين يقودان بالضرورة إلى مفهوم آخر هو مفهوم الإنسان العربي أي واقعه المعيشي وخصوصياته وميزاته.

إذ لا يمكن للفرد أن يبدع أو ينتج شيئا ذا قيمة إن لم يكن منطلقا في فعله هذا من وعيه الخاص به، هذا الأخير الذي يبين له من هو وما الفائدة من وجوده، ويوضح له أيضا معنى وجوده وكيفية تحقيق هذا الوجود، أي أن هذا الوعي لا قيمة له إن لم يكن مصحوباً بإرادة تعمل دوما على تحقيقه.

وبالتالي فالوعي والإرادة عاملان جوهريان في كل فعل إنساني، وهما ضروريان في كل نهضة ثقافية واجتماعية أو حضارية.

وأعتقد أن الوعي العربي إجمالا في القرن العشرين قد تعرض لتزييف وتغريب، وهو ما جعله دوما مشوشاً مرتبكا و لا يعرف على وجه الدقة من هو ولا ماذا يريد، فقد قُدِّم مثقفونا والمحسوبون على الثقافة له ثقافة بديلة حاولت دفع ثقافته إلى الوراء واتهمتها بالرجعية والتخلف، وعزت إليها أسباب الجمود والركود، فكانت الثقافة الغربية ثقافة فردية تعلي من شأن الفرد وتمجد العلم والتقدم على حساب الجماعة وإنسانية الإنسان، على حين أن الثقافة العربية الإسلامية تمجد الإنسان فرداً في إطار الجماعة من خلال منحه بعداً وجوديا وقيميا وأخلاقيا.

فساهمت السلطات السياسية العربية في كل ذلك التقهقر فكانت هي وراء التغريب من خلال تبني أنظمة غربية وغريبة عن المجتمع العربي، ومن خلال الدفاع عن فئة من المثقفين كانوا الممثلين الفاشلين لهذه الأنظمة.

وأعتقد أن ما يعانيه الفرد العربي،الذي يعد أساس المجتمع، من غربة وتغريب وفقدان هوية و غموضها، إنما يرجع إلى السلطة السياسية في المجتمع العربي على اختلاف أنواعها و أنظمتها السياسية والإجتماعية والإقتصادية.

ولذلك فلحل المشكلة التي نعيشها اليوم يجب أن نعرف جذورها ومكوناتها ومسبباتها. أي لا بد من العودة إلى التاريخ لنرى فيه أصول المشكلة وأسبابها التي ما تزال، على اختلاف الأنماط، تتحكم في سوء أوضاع الإنسان العربي فلا توفر له الظروف التي تساعده على تحقيق معنى وجوده بل إنما تضعه في أطر سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تبعده عن ذلك وتتركه في حالة من الضياع والفوضى والتشتت.

ولكي نخرج هذه الأمة مما هي فيه من ضياع فإن علينا أن نعيد بناء الفرد/الإنسان من خلال توفير الوسط الملائم الذي يمكنه من استعادة الثقة بنفسه بعد معرفة هويته. فالفرد يعيش في وسط يؤثر فيه ويتأثر به. ولا بد لمعالجة مشاكله من فهم هذا الوسط وتصحيحه وإلا فإن أي محاولة تأتي من الخارج لن تتمكن على الإطلاق من تصحيح أو إنقاذ الوضع.

فأنا أجزم للعودة إلى التراث للانطلاق منه مرجعاً ومقياساً في سعينا إلى تصحيح مسار الهوية العربية، وأعتقد أن الذات العربية إنما تمتد في التراث بكل أنواعه المرئي والمسموع والمكتوب، الذي يشكل ذاكرة الأمة. ولا بد لمن يعرف نفسه من أن يبحث في ذاكرته لأنها مخزن ثقافته وتجاربه ومخزن العناصر المكونة لوجوده الذهني والمادي. وأنا أعتقد أن التراث إنما هو مرجع المجتمع العربي الذي يشكل نظامه الكوني، وهو مصدر قوته إن وعاه، وغيابه عن وعيه يشكل في رأيي مصدر ضعف وضياع.

لا تعليقات

اترك رد