عامر فرسو .. بث الروح في الراكد دون الخضوع للسائد


 

منذ العام الفائت ( 2016 ) حين قدم معرضه في دهوك في كردستان العراق تحت عنوان ( تاريخ ميديا ) وتم إقتناء الأعمال كلها من قبل متحف قاجاغ بدهوك ، مُذ ذلك الحين و هو يشد إنتباهنا إليه بقوة ، فهو يغوص في التاريخ و يخرج منه بلآلىء يعيد صياغتها بحسه الممزوج بروح المكان ضمن مشروع رسمه لنفسه ( إخراج التاريخ من بين دفتي الكتاب و تحويله للوحة ذات قيمة جمالية و معرفية في آن واحد ) و لهذا فهو مستمر في إنجاز هذا المشروع و بين يديه تنفيذ أعمال تخص أوركيش ( تل موزان ) الواقع على مقربة من مدينة عامودا حيث ولد وحيث يقيم ،

كما لديه مشروع آخر ألا وهو تحويل الملاحم الكردية إلى لوحات فنية ، ففرسو يشق طريقه بهدوء ، يذهب إلى التاريخ يدق أبوابه بإيقاع جميل و من خلال موقعه في العمق يغوص فيه لينفض عنه ترهلات و تعب و غبار الزمن و يوقظ فيه ترتيبات التجاور بمعزل عن طبيعة و تكوين هذا التجاور و تراكمه و بأشكال مختلفة هي في موقع فصل لهيمنته عليه فيضفي لمساته التاريخية أيضاً بالتعتيق الذي يقرب أعماله من أجواء واقعيتها التاريخية فيوهم المتلقي و بحس عال بأنها تنتمي إلى تلك الحقبة ذاتها .

فرسو و بحركات مدروسة و دون أي غموض يتبنى رفع الستار عن تلك ( النصوص / الصور ) المرتبطة بالتاريخ لحاجات إنسانية ، لتقوده تجربته إلى نتائج مردها غنى في الفهم و إمتلاك في تقويم التعامل مع المواد الخام بوسائل تعبيرية تضج بالنبض بإنفتاح على التاريخ مع الإرتباط بدلالاته الرمزية المستوحاة من تلك التظاهرة الروحية التي يخلقها في رحلته مع التاريخ التي تحمل تجربة يعمد هو و أعني فرسو يتطرق إليها إلى حد الهوس و بعمق أفكاره التي بها يتزامن ظهور إكتسابه لمدلول جديد .

و من الأهمية بمكان أن نقول بأن فرسو لا يحمل قوارير فارغة بل جميعها تطوف بقصاصات حسية يعتقها بأزرار الجهات و هندسة الألوان و طيف الحالة ليصبح المسوغ فيها إبراز المفهوم الجمالي التاريخي بدلالاته الإيجابية وعلى نحو أكثر حين يُدخل إلى اللوحة تعبير يجمع الصفة الرمزية مع الصفة المعرفية و هذا ما يجعله لا يكترث كثيراً بهوامش اللوحة بمقدار إكتراثه بصلب اللوحة و جوهرها فهو يحاول على نحو دائم إستنباط أشكال ناطقة تاريخياً و ثقافياً لا كنمط و أنموذج بل لوضع نقطة على خط الأفق ،


فكل عمل فني يعيد فرسو إنتاجه هو بث الروح في الراكد وإيقاظ النائم دون الخضوع للسائد وإن كان ينقل العمل بنفسه هو و يعتقها بأحاسيسه هو و ينفخ الربيع فيها من قلبه هو ، و بتقاطع كل ذلك يجعل فرسو خطوطه الأخيرة تأخذ حقيقة فنية مع التمسك ببعض التقاليد وبخاصة المتمثّلة بالتعتيق الذي يسعى إلى بناء عالم جمالي يبدو أكثر إبداعاً بآلية يمليها الوعي لإكتشاف الحلم ، فالمسألة عند فرسو معرفية / فنية ولهذا لا يمكن تجاهل ما ينجزه .

لا تعليقات

اترك رد