حتمية التغيير ـ ج7

 

لتحريك البركة الراكدة لابد من رمي الحصى، لكن هل بركة المجتمع العراقي راكدة؟.. أعتقد أن مجتمعنا بعيد جدا عن الركود بسبب الفورات التي عاشها ومازال انطلاقا من أحداث متتالية قوية التأثير في الوجدان الشعبي، ثورات متعاقبة، حروب توارثتها الأجيال، صراع قوى داخلية وخارجية اختارت الأرض العراقية مكانا والانسان العراقي وقودا لهذا الصراع، لذا فالمجتمع برمته متحرك زاخر بالأفكار والمشاعر القوية غير القابلة للركود،

ولا نعد هذا الأمر ايجابياً لأنه يسلب امكانيات التفكير الهادئ الرصين ويستبدل الاستقراء والتحليل المنطقي للاحداث والمتغيرات الفكرية بانطباعات عابرة لا تنجح في ترك تأثيرها على الفكر.. وهذا يعني ان دائرة العلاقات قلقة غير مكتملة على الدوام، الفكر هو من يترك تأثيره على المجتمع ويحاور دائرتي العرف والإعتقاد فيه، إلا إنه لا يمتلك القدر الكافي من الرصانة لإحداث مثل هذا التأثير، الدين مؤثر آخر على طباع الناس وأعرافهم، وهو غالبا تحت سطوة رجال يمتطوه ليقدموا وجبات سقيمة أبعدت جوهر الله عن عباده ووضعت بدلا عنه كائنا مرعبا يهدد دوما بالويل والثبور أو يمنح عطاياه لمن يرى هؤلاء الرجال أنه يستحقها،

حتى وصل الأمر ببعضهم أنهم أقنعوا بعض السذج بأن قتل الآخرين عبر الأجساد المفخخة سيوصل هذه الأجساد إلى فردوس ضاج بالصبايا حور العين، وعلينا أن لا نتصور أن مثل هذا الاستثمار للفكرة الدينية ناشئ عن ابتكارات فكرية أو سلوكية جديدة، فمن يدرس التاريخ القديم يعرف أن الأديان المنظمة الأولى السابقة للديانات الإبراهيمية انشأت لتبرر ما يفعله السلاطين والملوك، كالسخرة، وزج الرجال في المعارك، والمطالبة الدائمة بالضرائب، الفراعنة كانوا ملوكا وآلهة في الوقت نفسه، وملوك ما بين النهرين كانوا يحكمون باسم الدين كذلك، ونرى الأمر نفسه في الصين والهند والأزتك والمايا،

وكانت مهمة الكهنة ـ رجال الدين ـ آنذاك مثل مهمتهم اليوم، الدفاع عن السلطة والشكل الديني.. من البديهي أن يفكر أفراد الأسرة بمتطلبات أسرتهم، إلا أن حاكما لعدد كبير من الأسر تضمها مدن عديدة، سيفكر بطريقة مختلفة، إنه يدرك بأن مخرجات الأسر المختلفة غير متماثلة أو متقاربة، ما الذي يجعله قادرا على السيطرة على هذا الخليط غير المتجانس إذن؟… لم يكن هناك ابتكار أكثر براعة من الدين الذي من شأنه أن يدفع هذا الخليط غير المتجانس إلى الانخراط في جيش واحد يتجه لقتال من يقرر الملك قتالهم، وإذا كان قائد الجيش يده اليمنى في حرب كهذه فالكاهن هو يده اليسرى، لا نغفل بالطبع أن جوهر الدين يدعو إلى تكريس الأخلاق الحميدة والمشاعر النبيلة وقبل ذاك الإيمان بالله خالق الأكوان،

وقد اختصت العديد من الأديان السابقة للإبراهيمية كذلك بإشاعة وصاياها فاشتركت الهندوسية والبوذية والتاوية والمندائية والزرادشتية وغيرها ببنود تكاد تكون متشابهة في لوائح وصاياها لأتباعها، لا تقتل، لا تسرق، لا تزن، …. الخ ولا هدف لهذه الوصايا سوى وضع ثوابت رصينة للمجتمع يتجنب عبرها التشابكات غير المحبذة.. آلهة هذه الديانات كانوا قريبين من الناس وعمل كهنتم على ترسيخ الصلات الحميمة بين الآلهة وعابديها، لكن هذا تداخل في الواقع مع جهود الكهنة لخدمة الملوك عبر استثمار صلتهم المباشرة بالناس، وهذا يشير إلى أن الدين استثمر منذ البدء في العمليات السياسية،

وازداد هذا الاستثمار مع ظهور الديانات الإبراهيمية، اليهودية ـ المسيحية ـ الاسلام التي كانت السياسة متمازجة إلى حد التماهي مع تعاليمها ذات الطابع الروحي.. واستفادت هذه الأديان من تراث الأديان السابقة في أمور عديدة منها الكهنة، أو رجال الدين الذين مارسوا دور أسلافهم بدقة.. ما يهمنا في محاولاتنا الداعية إلى التذكير بحتمية التغيير هو الإشارة إلى احتمالين من شأنهما أن يكونا فاعلين في العملية التغييرية المرتجاة، الاحتمال الأول هو تفعيل الدين في جوهره وعبر المتنورين من دعاته ورجاله إلى إعادة النظر في الممارسات والأفكار الدينية خاصة المؤثرة في البناء الفكري والنفسي والعقائدي لأفراد الأسرة والصغار منهم بوجه خاص، فالعراق مجتمع فتي تشير الاحصائيات إلى أن عدد فتيانه وشبابه أكثر بكثير من عدد كبار السن وهذا يعني أن التعليم والتربية الصحيحين لشريحة الشباب وصغار السن من شأنهما أن يحدثا تغييرا واضحا وحقيقيا،

والاحتمال الثاني هو غربلة المؤثرات الدينية واعتماد ما من شأنه أن يطور القدرات الذهنية والاخلاقية والسلوكية لدى هذه الشريحة، وابعاد أية أفكار ذات طابع ديني ملتبس أو متشابك أو غير واضح، الخلافات المذهبية مثلا، والصراعات الدينيسياسية.. زرت مدينة سيئول في عام 2008 ورافقتني هناك مترجمة كورية درست اللغة العربية في دمشق، دار بيننا ذات يوم حديث عن الأديان فقالت بأنها بوذية في الأصل، إلا إن البوذية ترفض أن يمارس الأهل ضغوطا دينية على أبنائهم ممن هم دون الثامنة عشر من العمر، إنهم ليسوا مطالبين بأية فكرة دينية حتى يتجاوزوا سن الرشد فيدعوهم الأهل للتعرف على البوذية عبر قراءة دين آبائهم فإن اقتنعوا به اعتنقوه وإلا فهم أحرار فيما يعتنقون، لذا اعتنقت مترجمتي المسيحية في سنوات دراستها الجامعية تأثرا ببعض الأفكار التي قرأتها والممارسات التي شاهدتها في الكنيسة،

ثم اقتربت كثيرا من الإسلام في دمشق ولولا إنه بعث في داخلها الخوف لكانت قد اعتنقت الإسلام، وحين التقيتها كانت قد رفضت كل الأديان وأختارت أن تكون لا دينية، سألتها ذات يوم، هل ستظلين لا دينية حتى النهاية؟، أجابت: من يدري، فنهر الحياة لن تتوقف موجاته ولعل موجة منها تجعلني أطلع على أفكار تدفعني للإيمان بها.. لا توجد فكرة مطلقة… ربما لا أتفق معها في بعض ما قالته، لكني أثق بأن المطلق الوحيد في الكون هو الخالق، لذا لا توجد بالفعل أفكار مطلقة، بل محاولات فكرية قد تصمد طويلا، لكن ليس إلى ما لانهاية…
وللحديث بقية…

لا تعليقات

اترك رد