السعودية ومصر في استعادة القرار العربي


 

كم كانت هناك محاولات حثيثة في فصل التكامل السعودي المصري تحت ذرائع بأن الثقل العربي والسياسي والمادي انتقل إلى الخليج وعليه أن يتحالف مع الدور التركي بدلا من الدور المصري خصوصا عندما كان الأمريكيون شبه خاضعين لشروط الابتزاز الإيرانية فقد فشلوا في الحد من سيطرة طهران على مفاصل السلطة في بغداد الطريق المؤدي إلى البحر المتوسط عبر سوريا الدولة الفاشلة بدعم روسي وهو ما أخر إدارة التحالفات العربية- العربية إلى المستوى المطلوب من التعامل مع الأمن الإقليمي العربي بالكفاءة المنشودة.

السعودية لم تكن مقتنعة بتلك المحاولات التي تقودها خصوصا من قبل دولة قطر المتحالفة مع تركيا التي تدعم جماعة الإخوان المسلمين وتعتبر أن السيسي انقلب على الرئيس المنتخب محمد مرسي الذي لم يتمكن من إدارة التعددية الحزبية في مصر، واستطاع الجيش المصري استرداد السلطة بعد فشل الحكم الإخواني بدعم ثورة شعبية، بذلك استطاع الجيش حماية مصر من الاضطرابات العربية، وأثبت قدرته الفائقة في إدارة الأزمة لأن الجيش المصري ليس الجيش السوري بل هو نتاج مؤسسة مصرية عريقة متداخلة في صميم المجتمع المصري، حيث يعتبر مؤسسة وطنية مستقرة وليست مؤسسة انقلابية مشبوهة على غرار الجيش السوري الذي رضي بدخول مرتزقة إيران إلى سوريا لقصف الشعب السوري.

لذلك تحتفظ السعودية بمكانة مصر العربية والإقليمية باعتبارها كبرى الدول العربية والإقليمية، ورغم الصراع السعودي المصري زمن الملك فيصل وجمال عبد الناصر دعمت السعودية بناء القوة العسكرية المصرية التي ألحقت هزيمة مريرة بإسرائيل واستعادت قناة السويس عام 1973.

تأخرت السعودية في تحقيق مثل هذا التكامل حتى تنضج الظروف السياسية العالمية، وهي تراقب بحذر تحركات دولة قطر التي ضغطت عليها بالتوقف عن التغريد خارج السرب والإضرار بأمن أكبر دولة عربية وهي مصر، وتعهدت دولة قطر في عام 2014 بالتوقف عن التغريد خارج السرب والإضرار بمصالح الدول العربية، لكنها لم تلتزم بذلك، وبعد تنفيذ السعودية عام 2016 حكم الإعدام على 47 شخصا على رأسهم رجل الدين الشيعي نمر النمر، وتصاعدت الأزمة بين الرياض وطهران التي سمحت لمهاجمين استهداف السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مشهد ليأتي الرد السعودي الحاسم عبر قطع كامل العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

في هذه الأثناء لجأت دول الخليج إلى التضامن مع الرياض وقامت بإجراءات عقابية على طهران إلا أن قطر في هذه الأثناء اكتفت باستدعاء سفيرها من طهران، وبدأت الدوحة تحاول أن تلعب دورا وسيطا بين كافة دول المنطقة، وتناست قطر في الوقت نفسه أن علاقاتها بالرياض ستتأثر جراء احتفاظ الدوحة بعلاقات حميمة مع طهران، والتي توجت باتصال تميم بالرئيس الإيراني في 12 سبتمبر 2016 لتهنئته بعيد الأضحى، ووقعت دولة قطر في أكتوبر 2016 اتفاقا مع البحرية الإيرانية لمكافحة التهريب في الخليج فضلا عن تعظيم الاستفادة من حقل الشمال الذي يمثل أكبر حقول الغاز في العالم رغم الخلافات الإيرانية القطرية الظاهرية في سوريا واليمن.

وفي الوقت الذي كانت تجهز الرياض من أجل القمة العربية الإسلامية الأميركية بحضور الكثير من الملوك ورؤساء العالم العربي والإسلامي بحضور دونالد ترامب من أجل مناقشة ملف الإرهاب وخاصة ملف الإرهاب الإيراني كانت صحيفة العربي الجديد المحسوبة على النظام القطري ويشرف عليها مستشار تميم عزمي بشارة تستقبل مقالا لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 20 مايو 2017 الذي تم نشره صبيحة يوم انعقاد المؤتمر تحت عنوان مستعدون لإهداء السلام إلى المنطقة وقدم ظريف بأن دولته قادرة على قيادة المنطقة إلى السلام ولم يكتف بذلك بل تندر على لقاء القمة المنعقدة في السعودية معتبرا أنها قمة تثير الانتباه، وألمح ظريف إلى بعض دول المنطقة يقصد السعودية تثير برامج تخويف من طهران في المنطقة كما كان يفعل الكيان الصهيوني منذ سنين ضد طهران.

كان مقال ظريف ترويجي ودعائي لطهران من قلب إحدى دول مجلس التعاون الخليجي وهي قطر التي يحضر أميرها القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض في تناقض واضح أنه لعب على المتناقضات يمكن أن تلعبها دول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا ضد بعضها ولكنها لا تلعب على التناقضات داخل أي منظومة تشترك فيها.

ليس هذا الملف الذي يخص دول مجلس التعاون الخليجي فقط ويتشابك مع علاقاتها، فهناك ملفات أخرى على رأسها موقف الدوحة من ملف الإخوان المسلمين في مصر واستغلال منبر الجزيرة من أجل الهجوم على النظام السياسي القائم في مصر باعتباره غير شرعي وأن محمد مرسي ما زال الرئيس الشرعي للبلاد، وفتح المجال للمحسوبين على تنظيم الإخوان من أجل ممارسة نشاطهم السياسي والإعلامي ضد دولة مصر وهو الموقف الذي يتعارض مع توجهات مجلس التعاون الخليجي الداعم للنظام المصري واستقراره السياسي، بجانب وقوف قطر بجانب تنظيمات سياسية ومسلحة في سوريا وليبيا خلاف ما ترنو إليه السعودية ومصر.

بعد مجئ ترامب إلى السلطة وتغير قواعد الاشتباك بينها وبين طهران التي تتقاطع مع المصالح السعودية وفي نفس الوقت بعدما ضرب الإرهاب العالم وخصوصا أوربا بدأت أوربا وأمريكا يعيدان النظر في الوجه المتسامح لجماعة الإخوان المسلمين الذي كانت تعول عليهم تلك الدول في احتواء التطرف والتشدد، لكن بعدما اجتمع ترامب مع قادة العالمين العربي والإسلامي وكلف السعودية بتولي مكافحة الإرهاب بعد تأسيس مركز اعتدال وتشكيل ناتو عربي إسلامي يتكون من 34 ألف جندي، ما يعني أن قواعد اللعبة العالمية اختلفت وفرض على السعودية أن تتجه نحو التكامل مع الدور المصري ليؤدي دوره القومي في مواجهة العدوان الإيراني على استقلال العرب مقابل مواجهة الإرهاب الذي يضرب أوربا ويهدد العالم بقيادة السعودية.

إيران تلعب بالنسيج القومي والديني للمجتمعات العربية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وحتى في دول الخليج خصوصا في البحرين فيما تركيا تدخلها ليس معاديا للعرب في العراق وسوريا المهددة بالتقسيم والتفتيت لكنها تلعب بورقة الإخوان التي تضر بالأمن المصري وحتى العربي وكلا البلدين إيران وتركيا يستخدمان دولة قطر رأس حربة لتحقيق مشاريعها خصوصا تركيا.

ليس فقط تركيا وإيران بل حتى روسيا كل هذه الدول تقفان أمام التكامل السعودي المصري عن أداء دورهما القومي والحفاظ على الدولة وعروبة سوريا ودولة ليبيا فيما أن القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي تقاطعت مع مصالح الولايات المتحدة دعمت التكامل السعودي المصري لانتشال النظام الإقليمي العربي ما بعد العواصف الرملية التي مرت بالدول العربية عام 2011 والذي بات يواجه توازنا استراتيجيا مختلا بدول فاشلة في سوريا وليبيا واليمن ومن قبل في العراق والتي يمكن أن تصل إلى لبنان بعدما اقتنع الغرب بأن الدول الفاشلة هي حواضن للإرهاب والتي أنتجت موجة اللاجئين إلى أوربا بشكل خاص وتصاعد الأحمال الاقتصادية والإرهابية وبزوغ الشعبوية في تلك الدول التي هددت بتقكيك الاتحاد الأوربي.

إذا الإرهاب وموجة اللاجئين غيرت من مسار التحالف الغربي مع الدول العربية الذي تزعزع بعد أحداث 11 سبتمبر خصوصا وأنها نجحت من خلال التكنولوجيا والتعاون مع دول غير منتجة للنفط من خارج أوبك في تخفيض الاعتماد على النفط العربي بل وانخفاض أسعار النفط 60 في المائة بين يونيو 2014 ويونيو 2015 شجعتها على التخلي عن العالم العربي، لكن بعد موجة الإرهاب وموجة اللاجئين يفرض على المنظومة العربية ممثلة بالسعودية ومصر لأن أغلب بقية الدول العربية الأخرى دول فاشلة ضربتها الاضطرابات العربية في أن تتعامل مع واقع مختلف في العلاقات مع الولايات المتحدة وأوربا والغرب عامة.

لا تعليقات

اترك رد