الدّين سبب اتّحاد العالم


 

إنّ جميع الكتب الإلهيّة تبشّر جميع الملل بيوم موعود يجد فيه جميع البشر راحة الأمن والاطمئنان، ويتّحد العالم الإنسانيّ ويتم الاتّفاق ويزول النّزاع والجدال وتبطل الحرب، وترتبط جميع الملل بعضها ببعض وتتجلّى وحدة العالم الإنسانيّ.

وإنّنا لنلاحظ الآن أنّ صبح ذلك اليوم قد أسفر، وانتشرت بوارقه في الآفاق فأحدثت في عالم البشر نشاطًا عظيمًا. وأنّ جميع ملل العالم لتشهد بأنّه ما لم تتحقّق وحدة العالم الإنسانيّ فلن تتحقّق للبشر راحة ولا سعادة. فالمحبّة هي سبب حياة العالم، والاتّحاد هو سبب سعادة البشر وحصول الشّيء مرتبط بعلل وأسباب وما لم تتهيّأ تلك الأسباب لا يتحقّق وجوده. فمثلاً لا بدّ للسّراج من بلّور وفتيلة وزيت لكي يعطي نورًا فنحن نريد أن تحصل المحبّة ما بين البشر فلا بدّ للمحبّة من روابط. ولقد كانت هذه الرّوابط روابط العائلة حينًا، وكانت أسباب المحبّة الرّوابط الوطنيّة حينًا آخر، وتارة كانت أسباب المحبّة هي وحدة اللّغة وتارة كانت روابط المحبّة هي الوحدة العنصريّة وتارة أخرى كانت روابط المحبّة هي وحدة المنافع. وفي أحيان أخرى أسباب المحبّة التّعليم والتّعلم. وفي وقت آخر كان سبب المحبّة الوحدة السّياسيّة وهذه الأسباب جميعًا أسباب خصوصيّة. ولا تحصل المحبّة العامّة بهذه الأسباب لأنّها إذا سادت بين أهل الوطن الواحد فإنّ أهل الأوطان الأخرى يظلّون محرومين منها، ذلك لأنّ الرّوابط العنصريّة سبب للمحبّة بين أبناء جنس واحد. ولا يمكن أن تكون الرّوابط العنصريّة أو التّجاريّة أو السّياسيّة أو الوطنيّة أسبابًا للمحبّة العامّة لأنّها روابط جسمانيّة ومادّيّة. والرّوابط المادّيّة محدودة، ولمّا كانت المادّة محدودة فإنّ روابطها محدودة أيضًا.

يتّضح من ذلك أن أعظم الرّوابط وأكبر وسائل الاتّحاد بين البشر هي القوّة الرّوحانيّة لأنّها ليست محدودة بأيّة حدود.

والدّين هو سبب اتّحاد العالم، والتّوجه إلى الله هو سبب اتّحاد العالم، والدّخول في الملكوت هو سبب اتّحاد أهل الأرض. وإذا تمّ الاتّحاد حصلت المحبّة والألفة. ولكن ليس المقصود من الدّين تلك التّقاليد الموجودة بين أيدي النّاس، لأنّها سبب العداوة والنّفور، وعلّة الجدال والحرب وسفك الدّماء. راجعوا التّاريخ وتأمّلوا في وقائعه تروا أنّ التّقاليد الباقية في أيدي ملل العالم هي سبب القتال والحرب والجدال في العالم.

وإنّما المقصد من الدّين هو أنوار شمس الحقيقة. وأساس الأديان الإلهيّة واحد، فهي حقيقة واحدة وروح واحدة ونور واحد لا تعدّد له.

ومن أسس الدّين الإلهيّ تحرّي الحقيقة، ومعنى ذلك أن يقوم جميع البشر بالبحث عن الحقيقة، ولمّا كانت الحقيقة واحدة فإنّ البحث عنها يوحّد جميع شيع العالم. والحقيقة علم، والعلم أساس الأديان الإلهيّة، ولذلك فالعلم سبب اتّحاد القلوب، والحقيقة ألفة بين البشر، والحقيقة ترك التّعصّب. والحقيقة هي أن تنظروا إلى جميع البشر على أنّهم عبيد الله. والحقيقة هي أن تعلموا بأنّ جميع ملل العالم عبيد لإله واحد. والحقيقة هي أن تروا جميع الكائنات الحيّة فائضة من فيض واحد. وكلّ ما في الأمر أنّ الوجود في هذا العالم ذات مرتبتين: مرتبة النّقص ومرتبة الكمال. ويجب علينا أن نسعى ليل نهار كي نبدّل النّقص بالكمال، فالأطفال مثلاً –في عالم طفولتهم- لا يدركون ولا يعرفون إلاّ أنّهم لا يستحقّون الذّمّ بسبب ذلك. وإنّما يجب علينا أن نربّي هؤلاء الأطفال حتّى يصلوا إلى مرتبة البلوغ. ويجب أن نتعهّد هذا الغرس الجديد بالإنماء والتّنشئة حتّى يثمر. وهذه الأرض يجب علينا أن نطهّرها حتّى تؤتي بذور البركة أكلها. والمريض يجب علاجه حتّى يشفى. ولا ينبغي لنا أن نبغض إنسانًا، بل يجب أن نحبّ جميع البشر. فإذا استحكم هذا الأساس حصلت المحبّة. وكذلك ينبغي علينا أن نناجي الله دائمًا وندعوه حتّى يوجد المحبّة في القلوب، وأن نتضرّع ونبتهل كي تشرق شمس الحقيقة على الجميع، وكي يغرق الجميع في بحر رحمة الرّب الرّحمن ينبغي علينا أن نتضرّع ونبتهل إلى الله كي يكمل كلّ ناقص. وكي يصل جميع الأطفال إلى رتبة البلوغ وتشرق شمس المحبّة على الشّرق والغرب، وتستضيء جميع القلوب من نور محبّة الله، وتصبح الآذان صاغية وتنجذب القلوب بنفحات القدس وتستبشر الأرواح ببشارات الله، لهذا فإنّي أدعو قائلاً: إلهي إلهي لك الحمد بما أشرقت الأنوار من ملكوت الأسرار، واستضاء جميع الأرض بشعاعها، فانتعشت النّفوس وانشرحت القلوب بسطوعها، لك الشّكر يا إلهي بما هبّت نسائم العناية من مطلع الرّحمة والجود، وخرّت النّفوس سجودًا للرّبّ المعبود. وانشرحت الصّدور بآيات تقديسك في كلّ الجهات، ونادت الألسن بملكوتك وظهور آيات بيّنات. ربّنا إنّنا نتضرّع إلى مركز الجلال ونتذلّل لعزّتك بين الأنام وندعوك بالقلوب والألسن والأرواح. ونستفيض من سحاب رحمتك في كلّ الأيّام. إنّك أنت الكريم. إنّك أنت العظيم. إنّك أنت الرّحمن الرّحيم.(ع.ع)

لا تعليقات

اترك رد