سعد الطائي .. نصف قرن من خفايا غيرمعلنه


 

الزمن كفيل بالخبرة إذا كان يقع على بحث وتجريب دائمين .. هذه الفرضية تقارب الفنان سعد الطائي ومسيرته التي امتدت أكثر من نصف قرن منذ زمن الريادة والتأسيس للفن العراقي وحضوره في مفاصلها ..وصولاً إلى مراحل البحث والتجديد الذي ينوي فيه القبض على حيز ما في عالم مشتبك ومتغير ومزدحم .

والحال .. لا يمكن اختصار سيرة الفنان ببساطة لأنها سلسلة من المتغيرات والمواقف الاجتماعية والإنسانية والجمالية .. وبالرغم من أنه ينتمي إلى جيل الرواد، فانتماؤه-ذلك- لم بجعله راضخاً للثوابت الفكرية التي ترسخت كقيم جمالية وسياق أسلوبي يسعى إلى تأكيد وجوده وهويته، بلراح يبحث عن إيجاد طريقه الخاص.. و ظل خلال سنوات عمره الإبداعي مسكوناً بهاجس التميز عن جيله الذي سجل حضوراً واسعا في مجال التلقي والاستجابة داخل الحياة الاجتماعية آنذاك.

وتأسيساً على ذلك لابد لسؤال الكتابة ان يتجه إلى المتن الجمالي في إنتاجه، ليقول جوابه او يتخذ مجلا لمقاربة المعطيات الخارجية التي كان سعد الطائي فاعلاً فيها .. ولكن من أجل ان تكون تلك المقاربة عامة ، فسأحاول الحديث عن هذا الفنان حضوراً وإنتاجاً ..

تبدو حياة الفنان لأي متابع ..ساطعة وثرية، فقد ولد في زمن صعب تلفه صراعات البقاء والخرافة والفقر، والعوز لكنه رغم هذا الجو حاول ( ابن الحلة ) التحليق عالياً ليرى هموم الفلاحين والصيادين والفقراء .. وكانت صورهم أعمق ميزة لجوهر إبداعه من الناحيتين الفنية والاجتماعية..

لقد بدأ رحلة البحث عن موضوعاته داخل الحياة الاجتماعية بمفرده ساعده في ذلك اكتشافه لعوالم اخرى حين تلقى دروسه في إيطاليا، ووقف على بعض أسرار الفنوت قنياته الأكاديمية .. ثم عاد إلى العراق وهو مشغول بتأكيد دوره كفنان ومعلم .. ففي السبعينيات من القرن الماضي كان سعد الطائي واحد من قلة من الفنانين الذين طغى تأثيرهم على الجيل اللاحق في التعليم .. وعبر مسيرته بقي الطائي مكرساً نفسه لثلاثة حقول: (الرسم، والتعليم،والثقافة) وقد سعى باخلاص لها طيلة حياته ..

ففي الرسم وفي مرحلة الريادة الاولى حين كان الفنانون العراقيون بتاكيد رؤى وهويات لم يكن سعد الطائي جزءاً من الحراك الجماعي و النزاعات الفكرية التي سادت التجمعات الفنية ونظرياتها .. بل وجد في الرسم عالمه الذي أوحى له بانطباعات في خلق تكوينات عن تذكراته البيئية، ثم أنساق بعد ذلك إلى اساليب متنوعة وصولا الى اقتراحه التكعيبي وهي الفترة التي كان يؤسس فيها نوعا من التماهي مع موجة الحداثة ومدارسها وعمل سلسلة من أعماله الأقل غنائية من بداياته، و كانه يسير ضد أهوائه لولا أنه أنجز فيما بعد مجموعة من الأعمال الفنية حاول فيها أن يوفق بين أسلوبه وبعض قواعد التقليد الواقعي الذي قاده أحياناً إلى النمذجة .. التي قاربت التعبير عن مشاهداته وانعكاساتها الداخلية. لكن بحثه لم يتوقف في هذا البعد الانساني وحسب فذهب بعد ذلك- وفي مراحل متأخرة- الىمقاربة المعمار العراقي باعتباره كائناً روحياً تسكنها لطقوس والأرواح ..فرسم الزقورات المعروفة بالمقرنصات وكان استدعائه رغم غرابته .. قائم على تحويل الشكل الجامد واستنطاقه.

لكنه في السنوات القليلة الماضية طرأ تغير ملحوظ علىفنه استعاد به جرأته حين جمع تأثيرات جديدة وأغناها بطرق مبسطة .. ولم تتغير موضوعاته المحلية سواء كانت معمارية أو إنشائية. حين اقام سلسلة معارضه خارج العراق وهي تنوء بمحمولات الانسان في محيط من العزلة والتوحد ..

اما رسومه عن الطبيعة بالألوان المائية – طبعت بكتاب – فقد كان ارتد إلى مزيد من اللغة الطبيعية ومال إلى تأكيد قيم اللون والتقنية التي تفرد بها بهذا النوع الفني لكن فحص الاعمال المائية يؤشر الى انها اقتربت كثيراً من لوحاته الفنية عمقاً وإجادة.

اما في معرضه الأخير (حين تكون الغربة بوحاً) أنصرف سعد الطائي إلى رسوم أشد عمقاً وأكثر تجريباً في مسالة الشعور، رسوم استخدم فيها ألوانه على نحو يجعل بعض المناطق غائمة في اللوحة تفصل نفسها عن (التقييدات) التي تفرضها خطوط الموضوع .. وبهذا خلق نوعاً من التماهي بين الألوان والأشخاص عن طريق الاحساس بضوء غني في أجوائه ولكنه ضوء اكثر غموضاً من ذلك الذي يميز أسلوبه المبكر.

والحال ..ليس هناك من شك أن قدرة الطائي في الرسم جاورها بحثه في ثنايا التعليم، فقد عرفناه معلماً للفن بامتياز .. عندما كان مدرساً للرسم في معهد الفنون الجميلة ثم كلية الفنون الجميلة إضافة إلى (إدارته للفن) لسنوات رئيسا لفرع الرسم .. وهي بالتأكيد ساهمت في تطور الدرس على مستوى التأريخ الفني .. وفي المستوى الثقافي فقد توفرت حياته على فاعلية في حقول اللغة العربية والإنكليزية والإيطالية التي نقل عنها الكثير من التجارب الأدبية والفنية.

اختصر القول : أنه يجيد تقنية وحرفة حب الفن والناس معاً. وما شخصيته الاصدى لذلك الشيء الروحي العميق المسمى فنان ..

لا تعليقات

اترك رد