الانتلجنسيا في مجلس التعاون الخليجي وجمرة بروميثيوس

 

جرت العادة بعد كل أزمة سياسية أو اقتصادية أو دينية أن تتجه أنظار ومسامع الناس نحو المثقفين لمعرفة الرأي السديد والموقف السليم للأزمات كنوع من الإقرار بالتعريف الخاص لهم في الرد عما يستجد من تطورات، وفي إعادة بناء وعي نقدي وأفكار جديدة يفترض أنهم أقدر المعنيين ببنائها. فما هو دور المثقف الخليجي اليوم مع تسارع انكشاف أزمات مجتمعاتنا الخليجية، والفشل البين لمجلس التعاون الخليجي في وقف التدهور الحاصل بين قطر والسعودية والإمارات، أو الإمساك بزمام المبادرة لبدء رحلة عد عكسي نحو التجاوز والتقدم.

في الحقيقة، المجتمعات الخليجية لم تعرف أي دور سياسي للمثقف أو للثقافة في دعم القرارات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ما عدا تلك الأدوار التى يقوم بها مثقفو السلطة لمصلحة النظام ، ولم تتعايش الشعوب الخليجية أيضا مع مثقفيها في أدوار الحوار والنقاش والتغيير لاغتراب المثقف عن الساحة المجتمعية وغياب تأثيره العضوي كما يقول غرامشي، وأيضا لاعتبار الثقافة في المخيال الخليجي ترفا نخبويا وحاجة غير ملحة ضمن نمط معيشي عام يغلب عليه الدعة والرفاه والكماليات في غالب مجتمعات الخليج.

ولهذا ظل دور الثقافة والمثقف هنا في الخليج العربي دورا ليس ذو قيمة ولا يحظى بالتأثير أو الأهمية، بيد أنه ليس من المنطق وضع حالة كهذه في إطار تعميمي شامل، فبالتأكيد ما زال هناك مثقفون خليجيون جسدوا حالة نضالية فارقه، قابضين على جمرة نار “بروميثيوس” كمثقفين تنويريين يحاربون زيوس المستبد لتبقى الشعوب محتضنة الدفء والأمل .. لكن يبقى تأثيرهم واقع خيالي وتبقى كلماتهم وكتبهم حبيسة جدران اليوتوبيا الافتراضية.

ما حدث مؤخرا بين قطر والسعودية والإمارات وضع المثقفين أمام أزمة فكرية لا تقل خطورة عن الأزمة السياسية الناتجة عن ذلك الخلاف. فالاصطفافات الاقليمية والتدخلات الايرانية والروسية والامريكية لها أبعادها الايديولوجية والدينية والسياسية، وهذا ليس بالأمر السهل الذي يمكن معالجته أو تغيير مساره أو حتى منع المثقفين من التدخل. فالغزو العراقي للكويت وثورات الربيع العربي وقبلها الثورة الايرانية والصحوة الإسلامية في السعودية جميعها وضعت المثقف أمام تحديات الولاء والإنتماء وأمام مسائل الهويات البدائية والاستبداد والقبلية واستحقاقات الديمقراطية والتحولات المدنية التى ينادون بها، وفي كل مرة كان المثقف يعاني من ضغوطات مواطنته أو الانتصار لمبادئ الحرية والديمقراطية والتى وضعته تحت مسمى عميل او خائن أو كافر أو مزدوج الإنتماء. ولهذا آثر الكثير من المثقفين الإنزواء بعيدا والهروب من التعليق على ما يحدث أو الإكتفاء بالرمزيات الكتابية والتعابير الهامشية حتى أصبحت تجليات أزمة المثقف الخليجي اليوم تتمثل بحالة الانكشاف القيمي الكبير، التي سقط من خلالها كثير من أدعياء الثقافة ورموزها الذين كشفت الأزمة الأخيرة بين قطر والسعودية والإمارات عن تناقضاتهم مع أبسط المسلمات الأبستمولوجية في الإنتصار للحريات والإنسان.

وعلى الرغم من أن المثقفين في الخليج، وكذلك مثلهم في الوطن العربي، لا يشكلون كتلة متجانسة موحدة الأهداف والاهتمامات، بل هم جماعة متعددة الأفكار والمرجعيات وتخترقها المصالح والصراعات الاجتماعية، إلا أن ثمة مشترك يجب أن يجمعهم بصفتهم أشد الناس التصاقا بالمعرفة وأقربهم إلى تحكيم العقل والنقد وأكثرهم استعدادا للتعبير الإبداعي والإنساني عن هموم البشر وتطلعاتهم، وهو مواجهة حالنا الراهنة بمختلف أزماتها ومآزقها السياسية والاجتماعية، والمبادرة إلى تأسيس وعي خليجي حول مسائل إشكالية لم تستطع الثقافة الخليجية التأسيس لها أو قد عممتها بصورة قاصرة ومشوهة، وهي قضايا الحكم الخليجي وحكم الشعب وتداول السلطة ودور الدين في مجتمعاتنا الخليجية، فبدون الإنطلاق من قاعدة أساسية ومبادئ عامة يتفق حولها الجميع، يكون دور المثقف قاصرا وبعيدا عن التحليل الصائب وملتصقا بهوياته.

فالتصريحات الثقافية اليوم حول أزمة الخليج انطلقت في غالبيتها من ارتباط المثقف بالنظام الحاكم والدولة ، ورغم التصاق المثقف بالضرورة بوطنه الأم، إلا إن الحقل الثقافي يختلف عن الحقل السياسي، فالثقافي يتميز بثباته النسبي وبصيرورة ترتبط بغزارة الإنتاج المعرفي والفلسفي والحضاري، بخلاف الحقل السياسي المباشر والمتغير حسب الأوضاع والمصالح والتطورات المرتهنة في تنوع المواقف وتبدلها إلى توازن القوى المحلية والإقليمية والدولية وما تقرره في كل لحظة من اللحظات التاريخية. ولهذا السبب تأتي أدوار المثقفين ووظائفهم ضمن أصول التأسيس الراسخ للمنظومة المعرفية كقاعدة أشمل يمكن أن تستند إليها انظمة الحكم الرشيدة في بناء مهماتها وأهدافها.

ولكن يقفز الي الأذهان سؤال مهم وهو كيف يستطيع المثقف أن يمارس هذا الدور وهو يعاني من نجاح أنظمة الخليج في إلحاق المعرفة والثقافة بالسلطة وفي لجم أفواه المفكرين وتحطيم أقلام النقاد مما أدى إلى خنق الثقافة وتدجينها وتطويعها لتصبح مجرد صدى أو أداة تبرير وتسويغ لا فعل إبداع وتغيير.

هذه المعضلة يتحمل تبعاتها الجميع بدءا من المثقف الي الشعوب وانتهاءا بالأنظمة، وتغييرها لصالح المواطن يتطلب ثورة تعليمية وبناءا سياسيا يختلف كلية عن ماهو موجود من أنظمة قبلية مشيخية الي أنظمة بأقل الأحوال ملكية تحافظ على خيار الشعوب الخليجية عبر استفتاء شعبي كبير لتحديد نظام الحكم وشكله.

في الواقع، لن نتمكن من قراءة ناجحة للأزمة الخليجية في تشابكها وتعقدها ومن ثم اختيار الوسائل الكفيلة بمعالجتها، لكن يمكننا الإنطلاق من رؤية جديدة تتفهم الاختلافات القائمة بين الأنظمة وما يترتب عليها من تباينات سياسية ومواقف متشددة كي نتعلم التعايش معها دون أن يسعى أي طرف إلى تهميشها أو إلغائها، وربما تشكل مثل هذه الرؤية نقطة انطلاق لتجاوز ما يشهده مجلس التعاون الخليجي بصورة عامة من انحسار الاتجاهات العقلانية وتراجع المشروع النهضوي ودوره في استيعاب الخلافات السياسية، وأيضاً للرد على الأصوات اللاعقلانية التي تدعو إلى تفكيك الدول ومحاربة الحلول السلمية التى تقوم بها الكويت. فمنطقة الخليج العربي اليوم ليست مثل الأمس وتحولات النظام العالمي الجديد وإعادة ترسيم المنطقة العربية وفق خطط الولايات المتحدة الامريكية بالإضافة الي ما أسفرت عنه الفوضى الخلاقة في سورية والعراق وليبيا، وتدخلات السعودية في اليمن واتهام قطر والكويت بدعم الإرهاب وتواجد ايران بثقلها الديني والسياسي في العراق وسورية ولبنان جميعها ملفات ساخنة، لم تضع المثقف وحده أمام أزمة التنظير والممارسة بل وضعت الشعوب الخليجية والعربية والاسلامية أمام تحديات كبيرة وتدخلات تمت بالفعل بناءا على المال السياسي والدعم الديني والمذهبي والتحالفات العسكرية.

لذا وأمام التحديات التي يطرحها تعقيد المشهد الخليجي، لا مفر اليوم لأي نظام خليجي من أن يكون مستعدا للجلوس على طاولة الحوار والدخول في علاقات واضحة المعالم والشروط، بغرض تطوير منصة عمل مشترك تتجاوز الخلافات وتضع الحلول حول الملفات الساخنة التى تفاقمت مع ضرورة إشراك الشعوب بما يجري ومكاشفتها بما يمس أمنها وتعايشها الاجتماعي..فأزمة قطر مع السعودية والإمارات ليست أزمة سياسية فقط بل أزمة مجتمع كبير، أزمة أخلاق، أزمة ثقافة، أزمة عدم ثقة جعلت الشعوب تفقد شيئا فشيئا ثقتها في مجلس التعاون الخليجي إن لم تكن قد فقدتها بالفعل.

1 تعليقك

  1. Avatar ابو راشد

    باختصار خل الشعوب والمثقفين في حالهم اذا تدخل الكل كثرت الفوضى والغوغائيه وضاعت الطاسه

اترك رد