المرأة بين مجتمع ذكوري و حرية زائفة – ج2


 

…..العمل لم يكن يوما مشكلا في الإسلام كما تغرد له بعض الصيحات، بل يرى الأغلبية أن المرأة قد هيأت لبعض الأعمال خير من الرجل، كالتدريس و الطب على سبيل المثال، و غيرها من المهن التي مارستها في صدر الإسلام، وإن كانت لها من المآثر ما ارتقت به عن الرجل في ما يخيل لنا أنه اختصاص حكر للذكور، وفي العصر الحديث أمثلة كثيرة، ولا شك أن مثال فاطمة نسومر في مجابهة الاستعمار الفرنسي بالجزائر و بــثـــها الرعب فيه، و الانتصارات التي حققتها في مقاومته، جعلتها ومثيلاتها كثير في التاريخ المعاصر أين ابتعدن عن النعومة التي فطرهن الله عليها، نساء كتبن أسمائهن بالدم بوقع حياتهن و أعمالهن التي كرسنها للوطن و الذود عن الدين في مجابهة المستعمر، حتى في الثورة الجزائرية أين استوت المرأة و الرجل في النهوض و حمل السلاح لدحر المستعمر الفرنسي و أن هذا التأثير لم يكن على سبيل إثبات المرأة لنفسها في المجتمع ولكنها تعرف أنها نصف المجتمع لهذا فهي ترى أن هذه الأعمال من قبيل واجبها.

لكن يبقى خروجها للعمل دوما جدالا والحديث اليومي في مجتمعنا المسلم الحاضر عندما يسري في مناكبه السلام، لأسباب كثيرة من بينها أن واجب الإنفاق يبقى حقٌ للمرأة على الرجل،ويتحجج الكثير من شبابنا بأن خروج المرأة للعمل و منافسته في الوظائف قد زاد البطالة مما فتح الباب أمام العنوسة و عدم قدرتهم على فتح بيوت بعد أن استلت منهم المرأة الوظائف اقتدارا واعترافا بقدراتها في العمل و قبله التحصيل العلمي بمقابله تراجع الذكور، لكن هذا التأثير أو تحرر المرأة بالمفهوم الحديث لم يأتي بأفضل ما فيه للمجتمع العربي، فقد جّر معه التأثير في اللباس و العادات و غيرها من مظاهر الحياة الغربية، إن لم نقل التفسخ الأخلاقي و الانجذاب وراء مفاتن الحياة فأصبحت بعض النساء من أم وأخت تفترش رداء الحشمة و التعفف إلى امرأة همُهـــا إظهار مفاتنها بلباس غربي آخر ما فكر فيه صانعه حرمتها ووقارها الذي فطرت وجبلت عليه.

وإن كان تقليد المرأة العربية للمرأة الغربية من سبيل تحقيق المساواة بينها وبين الرجل و هي نظرة خاطئة تغنت بها النساء الغربيات، فالمساواة ليست بتغيير الخليقة أو إظهار مفاتن المرأة كما يروج له الغرب، وجعلها وسيلة إشهار، وهذا الأمر لا تحتكره المرأة و لكن يوجد من الرجال من يقتبس مما فضل الله المرأة به عن الرجل ليجعل من نفسه مشابها لها تقليدا وهو من القبح ما كان، فلكل جبلته فلا يجب على المرأة أن تضع نفسها كوسيلة إغواء كما تفعل بها حضارة الغرب، ولكن يجب أن تكون طرفا أصيلا في بناء الأمة سواء عبر المساهمة الفعلية و المباشرة في صرح الحضارة وهي التي اقتحمت كل الميادين العلمية والعملية، أو المساهمة في تربية النشأ على مكارم الأخلاق.

و المرأة وإن وصلت إلى مراحل مرموقة في مجتمعاتنا في وضع نفسها في الصفوف الأمامية في كل المجالات إلاّ أنها مازالت تعاني من ذكورية المجتمع، خاصة في الترقية و تبني رتب في الوظائف والتي يكون الرجل فيها مُسَبقا عنها حتى و إن كانت تفوقه قدرة واتقانا وعلما وتفانيا في عملها، هذا التفكير الذي يشوبه نوع من التمييز العنصري إن صح الكلام قد يكون في بعض الأحيان صحيحا في طرح الرجل في بعض الأماكن التي لا يمكن أن تكون فيها المرأة متميزة في أداء مهمتها على أحسن وجه إن تقلدت بعض االوظائف التي يجب أن تكون من مهام الرجل رفقا بها خاصة إذا تعلق الأمر بالعمل الشاق والذي يمكن أن يفصلها عن مؤهلاتها و استعداداتها الخلقية، وهذا ما يجب أن تفهمه المرأة الغربية لتعود الى أصلها و تبتعد عن مجتمع مادي لا يحترم فيها خصوصياتها بل يساويها مع الرجل في تبني هذه المساواة حتى أخرجها من وقارها الى وظائف تجعلها تتقاسم خشونة الرجل في كسب الرزق وتقهقرت وظيفة الرجل من مسؤوليته على الإنفاق العائلي الى تحملها تكاليف الأولاد دونه في أغلب الأحيان.

لكن يبقى التناقض صارخا عندما نرى شخصا عربيا يرفض أن يكشف على زوجه طبيبا ذكرا في حين يمنع بناته من إكمال دراستهن، ويتساوى التناقض نفسه بل يزيد اندهاشا عندما ترى المرأة تحبذ وليدا ذكر و تنتظره بفارغ الصبر على بنت أنثى و هو تناقض آخر من المرأة و لاشك أن ما يحدث في الصين من وجود مجتمع جُله ذكورا نتاج أمنيات امرأة و رجل على حد السواء بل يلجأ الزوجان الى إسقاط الحمل إن تبين لهم أن الجنين أنثى وهم المرغمون في كل الأحوال بالوليد الوحيد، فلما لا يكون ذكرا…

لا تعليقات

اترك رد