احزان في الباسفيك – ج3


 
(لوحة للفنانة رنا الخميسي)

مازلت كالنسر افترش مقدمة الزورق الخشبي حين اقتربت بهارة لتجلس الى جانبي، وعلى مدى يومين من رحلتنا المجنونة نحو الحرية، لم تفارق امها الا الان، كنت الف جسدي بوشاح اندونيسي، فيما كان ذراعاها مكشوفين بالكامل، ولم تكن مهتمة بتلامس ذراعيها لجسدي مع كل ميلان للزورق، دون ان تعرف ان كل لمسة من جسدها البض كانت بمثابة شحنة كهربائية تهز بدني وعقلي وتسرع نبضات قلبي، كان عقلي يختلق كوابح كثيرة ليس الان فقط، بل منذ لقائنا الاول قبل عشرة ايام تقريبا، الا ان العقل غالبا ما يهزم امام المشاعر، رغم يقيني التام بخطأ مشاعري وادراكي ان علي التوقف، الا اني ككل الذين يقترب الحب منهم، او هوسه في الاقل، يسقطون صرعى دون عقبات وتاخير..

لم اكن شابا، فانا اقترب من الخمسين، فيما لم تتجاوز بهارة الثامنة عشرة بعد، وفي اول لقاء لنا، في كوخ منعزل باحدى الجزر الاندنوسية، كنت اقرأ الصفحات الاخيرة من رواية ( لوليتا)، واذا ببهارة وامها امامي وتسلمان لي كاي بضاعة لتكونا بعهدتي كحارس امين..

تصارعت داخلي مشاعر كثيرة لحظة اللقاء، عنفوان الرجولة المامونة، حيث ائتمنني المهرب عليهما كاي امانة يجب ان تعاد لصاحبها حين الطلب، وايضا روح الصياد الماهر الذي عليه اقتناص الفريسة لحظة اقترابها كثيرا منه وهي آمنة، مع الاثارة التي ولدتها قرائتي لرواية لوليتا، اضافة الى هذا الجمال الغاوي الذي بدتا عليه، حتى اني لحظتها احترت افترس من منهما، الام التي بدت شفتاها مثل لوزتين يانعتين حين تطبقهما بعد كل رشفة شاي، ام البنت التي راحت نظراتها تخترق اضلعي حتى اني شعرت انها تناديني بقوة، لم اكن افهم اني تلك اللحظات كنت جسدا وروحا اشبه بصحراء مرملة تعصف بها رياح الخماسين، وان ما افترضه من وقائع كان وهما ليس إلا، إلا ان كتفي بهارة الناعمين اعاداني مرة اخرى الى ذلك الوهم، وحولاني الى طفل صغير اغرته لعبة تلامس الاكتاف فراح يضغط بشدة كلما مال الزورق باتجاهها..

شيء واحد تبدل في ملامح وجه ام بهارة منذ اول لقاء لنا ، ثمة شعور بالذل لايمكن لاحد معرفته سوانا نحن ابناء الشرق الهاربين من اوطاننا، بالنسبة لي كعربي وعراقي تحديدا، فقد ولى الشعور بالعنفوان والانفة، ولم يعد قوس النصر في بغداد سوى شاهد على جريمة عصر لم ترتكب، واصبح المرور تحته ورؤية خوذ الجنود الايرانيين المنكسرين تحت مقبض سيف القوس، مدعاة للانكسار اكثر مما هو مبعث فخر استمر لعقدين من الزمن، لقد تحول النصر بين ليلة وضحاها الى عار وجريمة، وانكر هذا الشعب المغلوب على امره دماء مئات الالاف من الشهداء وكانهم لم يكونوا يدافعون عن وطنهم وشعبهم ومستقبل اجياله، لم يعد الشهيد منهم كريما، ان لم اقل انه اصبح مجرما، كما لم يعد احد يتحدث عن النصر وعن تلك المعارك التي اذهلت العالم باسره لقسوتها، ليالي ونهارات متواصلة لم ينقطع فيها هدير المدافع ولم يتوقف تناثر الشظايا ولا ازيز الرصاص، كنا هناك في السواتر نعد الارواح التي تتطاير الى السماء مثل شهب متلامعة، لم نفكر آنذاك لحظة واحدة بمعنى الوطن الذي وقفنا مدافعين عن حدوده، ولم نعتني بمفهوم المواطنة والوطنية الا بعد ان لفظنا الوطن كاي نفايات يجب ان تكب وان تدفن، حينها اكتشفت لاول مرة مثل الاف غيري، ان ليس هناك من وطن يهين ابناءه المخلصين سوى وطني، وليس هناك من وطن يكرم سارقيه وخائنيه ومجرميه سوى وطني..

كان الذل الذي اعتلى نفوسنا هو ذات الذل الذي غطى تراب الوطن، ولحظة الانكسار القصوى هي تلك اللحظة التي سقط فيها التمثال في ساحة الفردوس، كان بامكاننا ونحن في بيوتنا لحظتها ان نستمع الى القهقهات العالية التي انطلقت في اماكن عديدة في العالم، من الكويت الى طهران ومن اسطنبول الى لندن واماكن اخرى كثيرة، كانت تلك اللحظة، هي لحظة انتصار الخيانة واللصوصية والجبن والغدر والعهر والنفاق، ليس في العراق فقط بل في العالم اجمع ، ثمة نفوس كسرت واذلت وثمة نفوس خرجت من مخابيء الدعارة والعهر لترتقي سلم السلطة والسطوة والمال، وثمة نفوس ظلت حائرة مذهولة لهول صدمة سريعة مفاجئة، ومع اول بندقية حملها احمق تافه رعديد في بغداد، ابتدأت جولة جديدة من رحلة الذل والتعاسة، كان مخطط الاذلال مرسوما وواضحا منذ وقت طويل، وكلنا ابناء ذاك الجيل الذي عجنت روحه بالعروبة، كنا نعرف تماما ان الصراع بيننا وبين قوى الظلام لن ينتهي بسهولة، واننا بحاجة الى الذكاء والعقل اكثر من حاجتنا الى المغامرة والحمق، لكن الغرور هو الاخر مرض ليس من السهل معرفة اعراضه او حتى علاجه، كانت حالة العراقيين اشبه بحالة عاهرة كتب عليها ان تتنقل من حضن قواد لاخر، بعضهم اسوأ من بعض واكثر ايذاءا وسادية، حتى ان هذا الشعب المصفوع والمترنح اعتبر يوم دخول الدبابات الاميركية بغداد عيدا وطنيا،

واهدى سيف الامام علي الى الوزير رامسفيلد تقديرا لجهوده في احتلال البلاد، واذا كنت انا واحدا من الهاربين من ذلك الذل، باحثا عن هجرة افضل ما فيها شعور التعاسة في النهاية، فما الذي يدفع ببهارة وامها وايرانيين اخرين معنا في الزورق الى الهروب ايضا؟.. لقد انتصرت ايران في النهاية، وتمكنت من اخذ ثأرها، وهذا العراق الذي كان عصيا عليها اصبح بعد سقوط التمثال او الصنم كما يحلو للبعض ان يقول، حديقة خلفية لها، واصبح بامكان اي ايراني ان يتسنم منصبا في حكومة لاتعرف حتى اسماء وزرائها، ذلك السؤال وان كان بمنتهى الاهمية الا انه بمنتهى السفاهة والسذاجة، حتى انه كان يدور بيننا جميعا نحن اللاجئين ليس لاهميته ولكن لانه دائما فاتحة لحديث سيطول بعده، لم ننس ابدا تقاليدنا الشرقية، اذ غالبا ما لا نحترم خصوصية بعضنا، لذلك ترانا جميعا نسال الاخرين عن اسبابهم مع اننا دائما نكذب ونختلق من القصص ما لا يحتمله العقل، ولكني ربما كنت المختلف الوحيد حينها فلم اسال بهارة وامها حين عشنا لوحدنا ثلاثة ايام ذلك السؤال، ربما لاني كنت مشغولا بشغفي بهن اكثر من اي شيء اخر، لكن هويدا ام بهارة لم تتحمل ذلك فسالتني عن سبب هروبي، فضحكت واجبتها بسؤال عن سبب هروبها، كان حديثها طويلا، حاولت تفسير اشياء كثيرة، غير ان الخلاصة التي رسبت في عقلي، ان المرأة عالم جميل، اينما كانت واينما عاشت فانها عالم اسراره بوسع اسرار الكون، ونحن الرجال مهما بلغت عقولنا من الكمال لايمكننا ابدا ان نجاريها، حتى وان تمكنا منها وفرضنا عليها سطوتنا، فان لها اساليبها وفنونها في فك بعض القيود وكسر الكثير من الحواجز، ثمة عبارة بسيطة قالتها هويدا عنت لي الكثير، قالت: اريد ان انظر الى نفسي، ان ارى جسدي، ان اشعر بوجودي، ولم يكن ذلك ممكنا مع نظام يطلب منا ان نختبيء وكاننا عورات، قالت: لايهمني الانتصار على العراق ولا المراقد المقدسة ولا نشر الثورة، كل ما اريده ان اشعر بادميتي التي فقدتها حين وصل خميني الى السلطة..

غيرت بهارة من جلستها، اعطتني ظهرها هذه المرة، اتكأت على كتفي مثلما تتكأ على اية صخرة تحاول الاستراحة بظلها، كانت تبدو شاردة وهي تنظر الى الافق فيما راحت الريح تحرك شعرها الى الخلف ليغطي وجهي بالكامل ولم اكن قادرا على ازاحته، فقد كان عطره شذيا او هكذا احسست به..

يتبع

شارك
المقال السابقصحيفة الأيام العدنية
المقال التالىبين جنائن النار
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد