استنارة تاريخية لولادة تشكيلية


 

ان ولادة منطق جديد حيال القضايا الثقافية الكبرى ومنها القضية الفنية بالذات امر مهم خاصة وهذا يفسر لنا سر المزاج العاطفي الجاد في التعامل مع قضية حساسة كهذه. اما في الجانب الغير المنظور منها فقد يقع الباحث على موصلات عميقة الاغوار التي قربت ما بين صرخة اللبوة الجريحة في الفن الاشوري ، وبين صرخة الام في بكائية جواد سليم وهي اشارة واحدة من بين العديد من الاشارات التي توالت على امتداد التاريخ لهذه الحركة، وكأنها تحمل اثار التواشيح الذهنية الروحية مابين مبتدعات الفنون الرافدينية وبين بعض النماذج الاصلية في الفن التشكيلي العراقي الحديث.

ما بين ذلك المبتدئ البعيد وراهن هذه الحركة اليوم تقع المساحة التاريخية التي تشكلت فيها ملامح حرة لحركة تشكيلية متوازنة الابعاد واضحة المعالم فقد كان من شان تلك التجارب انها اغنت هذه الحركة ومدتها بمقومات التطور، وان تعتمد على التضمين ، والترميز ، والاستعارة ، والمحاكاة ، والمزج ، واللصق ، والحذف ، والاستبقاء كما تلجأ الى استخدام كل الوسائل والمحسنات البديعية في الفن للوصول الى بديل تشكيلي ينتسب اليها وينسجم مع ذاتها وهكذا فقد قطعت الاشواط الاولى من سني تكوينها الى ما يشبه الطريق الرملي المتحرك والملتهب تحت الاقدام ولكن ذلك هو اليأس المفضي الى القاء الدور الحقيقي للفنان وإحلال طارئ بديل يشاركه لحظات الالهام ، والانفعال ، والولادة فقد وقعت مثل هذه الحالات في تجارب الفنانين ابان طفولة الحركة التشكيلية .

ولكنها ما فتأت حتى انحسرت في ساحة العمل بعد ان نضجت المعادلة الابداعية ولم يعد افنان بحاجة الى استقصاء رؤيته الفنية او استدعائها من خارج حدود مملكته ، بل عليه ان يضعها في خط مواز لأنوار العصر او في موقع متوازن مع حركة تياراته وكما ان (الذات الصغرى) لم تكف عن تأكيد وجودها بشكل او بأخر في مضامين العمل الفني فان الفنان العراقي لم يتجرد من انتسابه لها وحواراته معها ومن اجل ان يظل مخلصا لموقفه الاخلاقي هذا فقد استحضر تلك الافكار التي من شأنها ان تحسم المطلق وتعزز بالحضور الدائم اقرب النماذج صلة بالحداثة وأشدها ارتباطا بوعي الفنان وتجربته الغنية المستنيرة.

لا تعليقات

اترك رد