أين المغرب العربي وتونس من الأزمة الخليجية ؟


 

لازالت المنطقة العربية تعيش على تداعيات الأزمة الخليجية المتصاعدة في المنطقة , وقد تأخذ أبعادا ومسارات خطيرة نظرا لجدية وصرامة السعودية والامارات ومصر في خنق قطر وأحكام الحصار الاقتصادي والمالي عليها , ودخول الأزمة مرحلة كسر العظام في ظل عدم استعداد أي طرف للتنازل في الوقت الراهن .

ولا شك أن دول المغرب العربي ولاسيما تونس , رغم البعد الجغرافي , ليس بمنأى عما يقع حاليا بالخليج العربي. وستكون لهذه الأزمة تداعيات جيواقتصادية وحتى سياسية وأمنية , وقد تطبع المرحلة القادمة اذا لم يتم احتواء هذا التوتر غير المسبوق . فما هي أهم المخاوف من تداعيات هذه الأزمة على دول شمال افريقيا ؟

لا يخفى على أحد , أن قطر لعبت دورا حيويا في الأشهر الأولى الصاخبة من الربيع العربي , كما أنها عبأت الدعم العربي لصالح التدخل الدولي في ليبيا (مارس 2011) . فقد اضطلعت بدور علني وتدخلي بشكل استثنائي أثناء الانتفاضات السياسية المتصاعدة في شمال افريقيا ومنها تونس , خاصة أثناء المراحل الأولى للاضطراب في المنطقة . ومن ثم سعت الى التدخل بشكل مباشر وغير مباشر في ليبيا , ووفرت مساعدات اقتصادية في تونس ومصر . كما دعمت صعود الاسلاميين الى الحكم في دول المنطقة , نظرا لعلاقتها بالاخوان المسلمين وتوفير الملاذ لهم وربط علاقات وثيقة معهم ومع العديد من قادة المعارضة , الذين أضطلعوا بأدوار قيادية اثر ” الثورات” في تونس ومصر وليبيا .

وتمتع الاسلاميون السياسيون , مثل حزب النهضة في تونس , بقدرة تنظيمية أكبر من الأحزاب المعارضة الأخرى , وبالتالي النجاح في الانتخابات وممارسة الحكم في المراحل الانتقالية عقب الربيع العربي . والأمر الثابت أن قطر لعبت دورا محوريا في تعبئة المجتمع الدولي والعربي من أجل التحرك وتعليق عضوية ليبيا في الجامعة العربية , فضلا عن مساعدتها العسكرية والمالية في نجاح “الانتفاضة الليبية “وباتت من صناع القرار في ليبيا , فقد أنشأت روابط مع قادة اثنين من المليشيات الاسلامية الرئيسية هم عبد الحكيم بلحاج والأخوان الصلابي , وكان يشتبه على نطاق واسع بأن قطر تسلح هذه المجموعات وتمولها , فآلت الأوضاع في ليبيا الى فوضى عارمة تسببت في انهيار الدولة .

أما في تونس ومصر , قدمت قطر دعما اقتصاديا كبيرا للنظامين الانتقاليين , وتدفعت الهبات , فازدهرت العلاقات التجارية بين قطر وتونس وكذلك مع مصر , وانتخاب حكومة يترأسها حزب النهضة الاسلامي في تونس ونجاح الاخوان في مصر وفوز “مرسي” بالرئاسة .
وهكذا لعبت قطر دورا حيويا في منطقة شمال افريقيا , وعلى الرغم من مقاربتها الحماسية , الا أنها في الحقيقة صاغت سياستها تجاه “الربيع العربي ” حسب مصالحها الوطنية ولتحقيق أهداف سياستها الاقليمية . ومع سقوط حكم الاخوان المسلمين في القاهرة وبداية نهاية “الربيع العربي” , سارع السعوديون والاماراتيون الى التحرك بهدف استعادة نفوذهم واغتنام المبادرة الاقليمية واجبار قطر على التقهقر والتراجع . واثر تفاقم الفوضى والارهاب في دول المغرب العربي , وخاصة مع ظهور وتطور الجماعات الارهابية وبروز تنظيم داعش , أصبح دعم قطر لتيارات الاسلام السياسي مثيرا للجدل والريبة . وباتت قطر متهمة وعليها دفع ثمن الانقلاب الكبير في المقاربات الأمريكية , حيث تغير المشهد اليوم من واشنطن , وأصبح مختلفا مع ما كان عليه مع “أوباما ” , فنحن أمام ادارة لا تحتفظ بأي ود ظاهر تجاه أي من الحركات الاسلامية , بل بالعكس تعتبرها ارهابية بامتياز وتتهم قطر بدعمها الى هذه التنظيمات الارهابية وعلى رأسها “الاخوان المسلمين” وايواء قادته , بالاضافة الى ترويج فكر تنظيم القاعدة وداعش ودعم العمليات الارهابية في مصر وليبيا وفي كل دول “الربيع العربي ” . ويبدو أن واشنطن هي التي تغيرت واقتربت من الرياض والقاهرة وأبوظبي , والذين نددوا بقطر وباصرارها على التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول بصورة تهدد الأمن القومي العربي والمغاربي , وتعزز من بذور الفتنة والانقسام داخل المجتمعات العربية وفق مخطط مدروس , يستهدف الأمة العربية ومصالحها .

وعلى هذا الأساس اندلعت الأزمة الخليجية , وأعلنت كل من السعودية والامارات والبحرين ومصر وحكومة الرئيس اليمني المستقيل عبدربه منصور الهادي وحكومة الوفاق التي تسيطر على شرق ليبيا , قطع علاقتها الديبلوماسية مع قطر . وفي خضم هذه التفاعلات ما هي تداعيات هذا التوتر على دول شمال افريقيا ؟ وأين المغرب العربي وتونس من هذه الأزمة ؟ وهل تصب هذه الأزمة مزيدا من الزيت على النار في المنطقة برمتها ؟

لامناص من تطويق تدهور الأزمة مع قطر , لأن تفاقمها سيترتب عنها انعكاسات خطيرة على النزاعات في المنطقة العربية بافرازات على أهلها , وكذلك على منطقة المغرب العربي وما تعيشه ليبيا من فوضى خلاقة , وعلى أوروبا وحتى على آسيا بتدفق اللاجئين وربما الارهابيين أيضا عبر البوابة الليبية والسورية بصفة خاصة !

ومن الثابت أن التداعيات على دول المغرب العربي عامة بما فيها تونس , ستكون حتما سلبية نظرا لما تشهده المنطقة من تحالفات وصراعات نفوذ لدول الخليج العربي , وهذا ما نتبينه من اختلاف مواقف الدول المشكلة للمغرب العربي تجاه هذه الأزمة , فقد أخذت تونس والجزائر والمغرب مسافة , نجد موريتانيا وليبيا انخرطتا في مشروع العربية السعودية الامارات . لقد أعتاد المغرب العربي أخذ مسافة عموما من سياسة الخليج , لكن هذه المرة لا يوجد اجماع , فقد انخرطت حكومة شرق ليبيا في مشروع التضييق على قطر , نظرا للتأثير القوي للامارات عليها , كما دعمت موريتانيا هذا القرار لارتباطها وعلاقاتها مع السعودية منذ احتضانها القمة العربية السنة الماضية , وقد ساندتها الرياض ماليا وسياسيا .
ولم تنجر تونس والمغرب والجزائرالى صفوف السعودية , ونأت هذه الدول عن نفسها من هذه المواجهة وسارت على موقفها التقليدي هو الحياد والابتعاد عن مواقف الخليج ومنها السعودية . ويعتبر هذا الموقف رصينا , يرفض الاصطفاف وينأى عن مزيد تعميق الخلافات خدمة للمصالح العربية المشتركة وتفويتا للفرص على من يتربص بالمنطقة , لأن هذا الصراع حتما سيزيد من صب الزيت لاشعال نار الفتنة بين أبناء المنطقة , والاصطفاف مع هؤلاء ضد هؤلاء , ستقع الكارثة على الجميع . فمشروع استئصال الاسلاميين في المنطقة سيزيد من هشاشة الوضع والاستقرار في المنطقة , وتكون التكلفة باهضة على هذه الدول ومضاره عليها أكبر من نفعها بكثير , خاصة وان عملية استئصال هذا الفكر العقائدي وتعرضه للتضييق والملاحقة سينكمش , لكن في الوقت نفسه سيتحول متطرفا وأكثر عدوانية من قبل ودخول التنظيمات الارهابية على الخط بتعلة الانتقام وبث مزيد من الفوضى في المنطقة , ناهيك أن الخلاف القطري السعودي ظهر على الأرض على شكل معارك بين الحركات المسلحة التي تدعمها الدولتان في ليبيا , وبالتالي الخشية من ذلك تطبيق سيناريو سورية في المنطقة , وهي حرب رسائل ستزيد من الفوضى والارهاب وستظهر هذه الحركات مدى استعدادها للذهاب بعيدا في المواجهة !!! ومن المؤكد أن ذلك سينسف حل الأزمة في ليبيا وسيصعد استعمال العنف والتحريض عليه , وستتأزم الأوضاع في ليبيا , مما يمنح للجماعات الارهابية مجالا لتوسيع أنشطتها الاجرامية بالتالي ضرب أمن واستقرار المنطقة برمتها والدخول في دوامة الفوضى وربما استهداف استقرار دول الجيران كالجزائر التي لازالت مستهدفة !
لا خلاف أن الأزمة الخليجية المتصاعدة ستمس مباشرة ليبيا ,والى تعطيل الحل السياسي المتقدم على قاعدة الحوار الذي ترعاه الجزائر أساسا وتونس ثانيا , وستكون ربما المنطقة المغاربية في محيط مفتوح على احتمالات الفوضى , ولن يتوقف غليان القدر , ولا قدر الله ان خرجت الأزمة عن السيطرة في كواليس التصنيع السياسي ستنفجر في وجه الجميع !

لا تعليقات

اترك رد