العنوان وصورة الغلاف في رواية “البرنزي” للأديب عمار التيمومي

 

تحف بالنصّ الأدبي مجموعة من النصوص الموازية أو العتبات التي يتصل بعضها بالأثر وبمنشئه و يتصل بعضها الآخر بالناشر.وأما ما يتعلّق بالكاتب والعمل الأدبي فمثل العنوان وصورة الغلاف واسم المؤلف والإهداء والمضمنات من نصوص أخرى والعناوين الداخلية بينما تدور العتبات المتصلة بالناشر في فلك (اسمه وتاريخ النشر ومقدمته وتنويهه وغير ذلك…), ولم يكن مبحث العتبات النصية أو النصوص الموازية مثيرالاهتمام النقاد إلى حدود منتصف القرن العشرين حيث كان للناقد الفرنسي جيرار جانيت كبير الفضل في لفت الانتباه إلى ما تزخر به هذه العتبات من دلالات لا يستهان بمساهمتها في فهم النصّ الأدبي .ولقد أغرتنا رواية “البرنزي ” التي صافحت القارئ ,منذ البداية, شأنها في ذلك شأن المنشورات الأدبية , بعتبات نصية أو نصوص مناصة مغرية بتقصّي الدّلالات واستقصاء الرموز للوقوع على نهاياتها ومن العتبات التي آثرت التوقف عندها واخترتها العنوان وصورة غلاف, آملا أن أوفق في استنطاقهما ليكونا عونا على قراءة منتجه لهذا العمل الجدير بالعناية .
عتبة العنوان:
ورد في اللسان”…وعننت الكتاب وأعننته لكذا أي عرضته له وصرفته إليه .وعنّ الكتاب يعُنّه عنّا وعنَّنه كعنونه وعنونته وعلونته بمعنى واحد مشتق من المعنى وقال اللحياني “عنّنت الكتاب تعنينا وعنّيته تعنية أي عنونته (…) وسمّي عنوانا لأنه يعنّ الكتاب من ناحيته (…)ومن قال عُلوان الكتاب جعل النون لاما لأنه أخف وّأظهر ويقال للرجل الذي يعرّض ولا يصرّح :قد جعل كذا وكذا عُنوانا لحاجته .”.وفي المعجم الوسيط”العنوان ما يستدل به على غيره وعنون الكتاب عنونة :كتب عنوانه
ويقول باختين ميشال في كتابه جمالية الرواية “إنّ العنوان يفاجئ ويحيّر بحسب المعرفة التي يخلقها” وما يمكن الوقوف عنده بعد (قراءة التعريفات الواردة في المعجمين) ورأي باختين هو ما للعنوان من دور في الإرشاد إلى مجاهل النصّ والتبشير بما يستتر في مضانه وأكنافه وما يسير في سبله.و “يعدّ العنوان أكثر العتبات أهمية في علاقته بالقارئ والنصّ “فهو أوّل ما تقع عليه عين القارئ وهو العلامة التمييزية الأثيرة التي تقدّم لنا الأثر بشكل مكثف.فهو الهوية الثانية بعد التعريف الأجناسي للنصّ
وفي رواية البرنزي للأديب عمار التيمومي يحتل العنوان المركز الثاني في الترتيب نزولا من أعلى الغلاف .ولكنه في الحجم يغطي على اسم الكاتب الذي كتب بالأسود على محمل رماديّ فاتح .يمكننا ,والحال على ما وصفنا,أن نعتبر العنوان محتلا المرتبة الأولى رغم أنه ورد ثانيا وكان أعلى الصورةالتي استحوذت على أربعة أخماس الغلاف تقريبا ,ذلك لأنه حجب اسم المؤلف لما كان له من ألق نتج عن لون التعبئة وحجم الخطّ .
ليس بالإمكان تحديد نوع الخطّ الذي كتب به العنوان إذ يبدو أن صاحبه قد آثر الفصاحة والتعبير على زخرف الخطوط ذلك أنّ اختيار خطّ كوفيّ أو فارسي أو ديواني يمكن أن ينزاح بالوظيفة من التدلال إلى تسليط الضوء وتأبير الجماليات التشكيلية وفي ذلك مغامرة ورهان غير مضمون العواقب .وهو في المحصلة خطّ مقروء بسهولة ويسر وهو على درجة عالية من الإضاءة حدّ الإبهار رغم أن لون المساحة في الخطّ كان نحاسيا فلا ريب أن تشكيله في أبعاده الثلاثية قد أبان عن زوايا وخطوط مشعة مشبعة بالنور .إنها إضاءة السيرة في زمن مرجعي هو زمن الحكاية وزمن إعادة الخلق والتشكيل ,زمن عماده اللغة ,هو زمن السّرد . إن البرنزي برنزيان :رجلان في زمانين مختلفين تربطهما علاقة المشابهة .زمن توشك فيه الهوية أن تضيع بسبب عدوان أجنبي استعماريّ أصاب الوطن العربي وتونس والقيروان وزمن توشك فيه الهوية أن تموت بسبب المبالغة في رعايتها حتى غدت قاصرة غير مستطيعة بنفسها وفي زمن الرّداءة التي هي شرّ من الاستعمار اعملت فيها الأنياب والأظافر بدعوى العض عليها بالنواجذ حتى ادميت وشارفت على الهلاك .
وبعيدا عن الجداول اللسانية (البراديغمات)التي ربما جالت ببال عمار التيمومي وهو يسم روايته ويعنونها يمكننا أن نقنع بالمحصّلة دون الذهاب بعيدا في الاحتمالات التي ربما كانت مطروحة .إنه البرنزي هذا الرجل النحاسيّ الأسمر الحنطيّ يحمل في اسمه عنوان صلابة لا تضاهى .كان بطلا يخترق الحكاية من أولها إلى آخرها رغم بعض الافساح في المجال لبرنزي أخر ما يفتأ يزّاور حتى يفضحه التطابق .كان نحاسيا حقّا وعنوان بيئة وثقافة عملت فيه شمس القيروان وهواءها وماءها حتّى أضحى رمزا من رموز “جلاص” عنوان الإباء والقوة .البرنزي نسبة إلى ذلك المعدن النبيل وقف لونه وأصله و(برنزيته) عائقا تمييزيا لمرتين أولاهما كانت في فرنسا حينما حدث له ما حدث في مقهى فاتقدت غيرته وأوقع الضابط الفرنسي أرضا وأكّد أنّه من الضفة الأخرى وإليها يعود والثانية حينما تخلت عنه زوجته الفرنسية وأثرت البقاء في فرنسا وتركته ليغلبه حبّ شهلاء الحبيبة الضارب بأسبابه في شغاف قلبه وليؤكّد لنا أنّ في جوف هدا البرنزي الذي قدّ من صلابة مضغة يعشش فيها الحبّ ويسرج فيها نبراس القيم البدوية.
إن للعنوان دلالته المزدوجة فهو من جهة يشير إلى الصلابة والقوة اللتين تشيان في كثير من الأحيان بالصرعة والغلبة ولكننا لا نعدم فيه دلالة على جوهر مركب فيه للعاطفة والعقل والخير الشيء الكثير بل هو الغالب بإطلاق .وفي هذا التركيب دلالة على فرادة وتميز .وهو في نهاية المطاف اختيار موفق من عمار التيمومي جعل به العنوان وجهة ومحطة وصول وعودا إلى ذات البطل الرمز .فالقارئ ينطلق من العنوان ليبحر في النصّ ثم يدرك تخوم المكتوب فلا يشكّ أن منطلقه ومرجعه ما علّم عليه العنوان بالدّال الملفوظ والمرئيّ.
عتبة الصورة :
تعدّ الصورة التي هي تأليف بين الخطوط والأشكال والألوان والظلال والأضواء علامة غير لسانية المعول فيها على البصر ولكنها علامة تحتاجاللغة لاستنطاقها والوقوف على مكنوناتها .ولدراستها يقف الباحث عند هذه الخطوط وتلك الأشكال والألوان و درجة الإضاءة وتوزيع مكوناتها على مساحتها وفضائها .إنّ الصورة في العموم شكل يحمل مضمونا ويستهدف جملة من المقاصد تتجاوز الجماليات إلى التعبير والتّأثير والحجاج .
إنهاصورة تمثال المفكّر وهو “تمثال من إبداع النحات الفرنسي أوغيست رودان وهو من الرخام والبرنز ويصور التمثال رجلا متأملا يتصارع في دخيلة نفسه مع أفكار عميقة “.ولعلّ لونه المستعار من المعدن النبيل يعمق ما يعتمل في نفسه من شكّ وحيرة ورغبة في الوقوف على مطلق الدّلالات وذلك في اعتقادي ما كان يشغل” برنزينا ” في رواية عمار التيمومي .
التمثال الذي يحتلّ أربعة أخماس الغلاف الأمامي مرآة تنعكس عليه شخصية “البرنزيّ” بتاريخها الذي يضجّ بالعلامات التمييزية التى,هي بدورها,جعلت منه ذاتا “دخيلة”في محيط يطلب “البرنزة”(إن صحت العبارة ) لنفسه فلا يجدها فيغمط بطل روايتنا.ورغم أن التمثال في الأصل فرنسي أوروبي لا يمثل النحاس الذي هو مادته ومعدنه على الحقيقة ,إلاّ استعارة اضطرته إليها طبيعة المعدن المادة في جمودها,رغم ذلك كله فإنّ الصلة بين التمثال النحاسي و”البرنزي “كان اختيارا واعيا ينمّ عن رغبة جامحة لدى المؤلف في مدّ الجسور بين “برنزيّ” تونسي المولد جبليّ التنشئة “جلاصي” الهوى عربي اللسان والفكر إسلاميّ الديانة وبين تمثال من المجسمات تصرّ المرجعية الإسلامية الناشئة والمنبعثة من التاريخ البعيد على تخطئة كل من يصنع التماثيل وينصبها .إنها الرغبة في المثاقفة تحاول تجاوز المحظور يشتهيها عمار التيمومي وينقاد إليها “البرنزي” مرغما مثقلا بتاريخ استعماريّ وفشل في علاقات مصاهرة .
بدت صورة “المفكّر” في قلب المحمل يشع من حولها البياض(رغم أنه بياض غير فصيح)الذي اختزل في ذاته ودلالته عذرية دأبت ثقافتنا على تقديسها والترغيب فيها وجعلها عنوان فحولة في الدنيا وجزاء لصالح الأعمال في الآخرة .ولكنه أيضا بياض المواجهة يشرع مصراعي الوعي على حقيقتنا المتحرّكة المضطربة المتغيرة النافرة من نقاء الألوان مهما كان .فهو المطلق (الأبيض هو اجتماع الألوان كلها)يشفّ عن ذلك الصدام الحتميّ بين اللون النحاسيّ والبياض وهو ترجمة وفية لصراع الأطروحات في ذهن “البرنزي” الذي شُغل بإخراج تلك التّأملات من القوة إلى لفعل .
العنوان والصورة معا:
لئن كان العنوان اختزالا لمسارات الحكي بين دفتي الكتاب فإنه في الوقت نفسه كان عنوانا لصورة وعلامة جامعة لكليهما وتعبيرا لسانيا وبصريايحتال لنفسه بالجمع بين الصوت (الحرف) والضوء ليدلّل على أنّ اللذة جماع ذلك الالتقاء بين العتبتين كلتيهما .كان النحاس (البرنز) حاضرا بقوّة على صفحة الغلاف الأمامية (الملفوظ والمرئيّ)يتشكل في هيأة نافذة كبيرة مشرعة على مفاصل الكتاب .إنّ صفة “المفكّر” تشي برغبة الكاتب الملحة في أن ينحو بقصديات الكتابة منحى مثقفا رغم أن “البرنزي ” لم يكن من الصفوة ولا هو من علية القوم وسراتهم بل كان عاميا فرض عليه عمار التيمومي أن يكون حكيما مثقلا بالعادات والتاريخ والحضارة ومتخما بالجرأة ومضمخا بالحياة والرغبة .وفي النهاية وعطفا على ما قلته سلفا فإنه من المبرر تركيبيا ودلاليا أن نعتبر العنوان مبتدأ والصورة خبرا .
لئنّ وقفت عنايتي على العنوان والصورة فذلك لا يعني أنّ العتبات النصية الأخرى كانت أقل منهما تعبيرا ودلالة على مضمون الرواية ومقاصدها بل إن الذي يدعو فعلا إلى الاعتذار من القارئ هو أن الحديث عن الصورة أشعرنا بالتقصير لعدم لفت الانتباه إلى صورة أخرى تمثلت في لوحة فنية للعراقية عاتكة الخزرجي تغري هي نفسها بالوقوف عندها سيّما وأنها تحتفل بالبرنزي وتشيع في كامل مساحتها اللونَ النحاسيَّ وتتواطأ مع صديقنا المؤلف من دون مواربة .ولكنها جاءت طيّ الغلاف وليس على صفحته الخارجية .وهي تستحقّ أن يفرد لها القارئ اهتماما خاصا ليقف على قيمة هذا النصّ الموازي في سياق الرواية .

لا تعليقات

اترك رد