لا انفراج يلوح في الافق

 

تتسع يوما بعد يوم مساحة الاستياء والتذمر لدى المواطن العراقي، مثلما تتلاشى في عينه كافة المساحات من حريته المحاصرة بالارهاب والمخنوقة بالأزمات. هذه الحرية الدامية التي لم ينلها إلا بعد صراع عنيف مع النظم والسلطات الاستبدادية التي تعاقبت على حكم هذا البلد الصابر وحرمت شعبه من أبسط حقوق العيش الكريم. فالذي تحقق بعد سقوط النظام البائد- وبعد مضي كل هذه السنوات- لا يوازي بل لا يكاد يشكل نسبة واضحة امام حجم التضحيات التي قدمها ولا يزال يجود بها هذا الشعب الجريح.

لقد كان من سوء حظ هذا البلد الابتلاء بأعتى سلطة عرفها تاريخ العالم، كما ترتب على شعبه مقارعة ماكنة الدمار التي حرصت السلطات الغابرة على تقويتها وتطويرها خلال عقود من تسلطها بحيث رسخت لها قواعد وثقافات يصعب محوها دون ان يكون هناك المزيد من التضحيات والخراب والدمار وهذا بدوره يحتاج الى استعداد مادي ومعنوي وتعبئة عقائدية وروحية قادرة على احتواء مد جماهيري تتجاذبه رياح متعددة الاتجاهات بين صبر ممض وأمل مجهول. لقد قاسى العراقيون بمختلف شرائحهم وعلى كافة مستوياتهم اسوء واخطر ظروف العيش في زمن تسيدت فيه أفكار ومفاهيم وثقافات القرية مستعينة بتسلط الدكتاتورية العسكرية الانقلابية.. لتفرغ – بوسائلها الخبيثة المدججة بالرعب والتصفيات والغدر- ما تريده من مفاهيم في البنية الاجتماعية والتركيبة السياسية بعيدا عن أساليب النظم وتقاليد الحكم والقوانين التي تنظم حياة البشر المعاصر. وتحت تلك الأساليب والضغوط والوحشية وجد المواطن العراقي نفسه منساقا وراء تلك السياسات حفاظا على حياته ولقمة عيشه التي لا ينالها إلا بالكد اليومي المتواصل المحفوف بالحروب الاقليمية والحصار الاقتصادي الخانق والأزمات المختلفة.

ولذا فقد تنازعت في ظل تلك الحقبة وحتى بعد زوالها، إشكاليات عديدة كان أهمها التعاطي مع العمل السياسي وفق تأثير ارهاب سياسات الماضي، مع وضوح الرؤية للواقع المتحقق. لكن الواقع الميداني وما تتركه الأزمات المزمنة وتفشي حالة الفساد وغياب سلطة القانون أمور تصيب المرء بالقنوط والنكوص وتسلمه لليأس القاتل وهذا ما تريده القوى المعارضة لعملية التغيير والتي تعمل ليل نهار من أجل إعادة الأوضاع الى ما كانت عليه قبل 9 /4 /2003 .

أن من الأمور التي يجب ان لا تغيب عن بال أحد، أن العراق يمر بمستويات مختلفة من الصراع، أولها: حزب حكم العراق أربعين عاما وبنى له قواعد في الداخل والخارج وسخر كل ميزانية العراق لبناء تلك القواعد وشراء الذمم الدولية والاقليمية والمحلية، وفجأة يفقد هذا الحزب تسلطه وتفقد هذه القواعد نفوذها وامتيازاتها. فلا غرابة ان تستقتل تلك القواعد من أجل إستعادة هيمنتها وبكل ما عرفت به من عنف وقسوة ، وايمانها المطلق بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وإجادتها لوسائل الغدر والتصفية والخداع والمكر والقتل التي تعلمتها في دهاليز مؤسسات السلطة القمعية وأقبية أجهزتها الأمنية والمخابراتية، كما وظفت تلك الخبرات في التسلل الى داخل مؤسسات الحكومة الحالية والاستحواذ على الهرم الاداري مستفيدة من تراخي الحكومة في تطبيق القوانين وملاحقة المقصرين.

ثانيها: أحزاب وحركات تبنت الأسلوب الانساني الحضاري والنمط الديمقراطي في الحكم ونبذ العنف والتسلط بقوة القهر والحديد والنار، في محاولة لتأسيس دولة مؤسسات معاصرة ونظام قانوني حضاري، لكن سرعان ما دب في اوساطها الفساد الاداري والمالي وتغلغلت في حناياها المنافع الشخصية والفئوية والاستئثار بالسلطة . الامر الذي جعل العملية السياسية تمر عبر أسلاك شائكة وحقول الغام وعبوات ومفخخات، وحرب متعددة الجبهات ومتداخلة الخنادق.

ثالثها: أطراف اقليمية ودولية لكل منها أجندته الخاصة ومراميه ومقاصده وربما ثاراته ومطامعه، وجدت فرصتها المناسبة ووقتها الملائم، ساكبة الزيت على النار متسللة عبر عناوين وشعارات ويافطات بعيدة كل البعد عن مضامين المشاريع المستترة خلفها.

ورابعها: القوى الدولية “متعددة الجنسيات”، ومن ورائها الدول العظمى التي راهنت على إنجاح مشروعها في إقامة شرق أوسط جديد، تفاعلت به شعوب المنطقة المضطهدة المغلوبة على أمرها، متوقعة من الدول العظمى إعادة قراءة لسياساتها التي دعمت النظم الاستبدادية وتركتها تذيق شعوبها الكبت والحرمان. لكن المتحقق على الساحة العراقية خاصة يعطي انطباعا سيئا لدى المواطن العراقي الذي ظل يعاني القتل والتشريد والعوز والحرمان من أبسط الخدمات مثل الكهرباء والماء ناهيك عن تفشي البطالة والفساد واضطراب الأمن منذ السقوط المدوي للسلطة السابقة والى اليوم برغم الإمكانات الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة التي احتلت العراق في المجالات كافة وخاصة التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية. ومع ذلك فهي تقف متفرجة أمام الهجمة الشرسة للعمليات الارهابية التي تعيث في العراق وشعبه الصابر ذبحا وخرابا، كما تقف عاجزة أمام معالجة مشاكل تعد بسيطة وعادية أمام قدراتها الضخمة وهذا ما أفقدها مصداقيتها ليقين المواطن أن قوة اقتصاديات وتقنيات هذه الدولة إضافة لأقمارها الصناعية ومركزها العالي الذي أهلها لتسيد العالم يجعلها تستهين بشراذم ارهابية مذعورة، ومشاكل على مستوى توفير كهرباء وماء ووقود إن هي ارادت ذلك.

كما أن اطلاق سراح الارهابيين بين فترة قصيرة واخرى، وعدم تفعيل وتنفيذ قانون مكافحة الارهاب،وانشغال الاحزاب الحاكمة في مصالحها الخاصة وابتعادها عن هموم الناس ومتطلبات ادارة الدولة وتحقيق الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي وأمور مشابهة اخرى تعطي الحق للمواطن في اليأس والقنوط والتشكيك كون الطرف المقابل قد فقد مصداقيته وقبلها وضع نفسه موضع الشبهة والتهمة والشك.

لا تعليقات

اترك رد