الصراع في المنظمة


 

الصراع في المنظمة – CONFLICT

يعتبر الصراع في أية منظمة من ضمن الأمور الأكثر أهمية في العمل الإداري ، وعلى الإدارة أن تمارس دورها في اكتشاف ومتابعة ودراسة هذا الصراع ومسبباته ومستوياته, وان تأخذه بنظر الاعتبار في مجمل نشاطاتها و قراراتها ..

و الصراع أنواع مختلفة, فهناك صراع بين الإداريين و الفنيين, و صراع بين التنفيذيين و الاستشاريين, و صراع بين الأقسام و الإدارات التي قد تجد بعض التعارض أو الاختلاف في وجهات نظرها أو نشاطاتها ، إلى غير ذلك ..

لكن لابد من السؤال أولا, ما هو مفهوم الصراع أساسا، وما هي التوجهات أو النظريات الإدارية التي جاءت بشأنه .. ؟؟ ..

بشكل عام, يعرف الصراع بأنه, عملية تتم و تبتدئ عندما يشعر شخص أو مجموعة بأن هناك شخص أو مجموعة أخرى قد هددت أو أثرت سلبا أو ستؤثر سلبا على جانب أو مهمة أو مصلحة معينة تهم ذلك الطرف الأول ..

وقد اختلفت وجهات نظر أو مداخل دراسة الصراع في المنظمة, تبعا لاختلاف المدارس الإدارية والسيكولوجية, لكن بشكل عام يمكن أن نقسم هذه المدارس أو وجهات النظر إلى ثلاثة رئيسية ..

الأولى, و هي وجهة النظر أو المدرسة الكلاسيكية التقليدية ( TRADITIONAL ), و هي التي درست سلوك المجموعات في العمل والمنظمة, و ظهرت هذه المدرسة في الفترة ما بين 1930 – 1940, وكانت تنظر إلى الصراع على انه ظاهرة سلبية ومؤثرة ومؤذية لابد من تجنبه والقضاء عليه ..

و قد نظرت إلى الصراع في ذلك الوقت على انه فعالية غير مفيدة في المنظمة, تنتج على الأغلب عن سوء أو ضعف عملية الاتصالات ( POOR COMMUNICATION ) ، و كذلك بسبب

ضعف نواحي الانفتاح ( OPENNESS ) و الشفافية بين العاملين و قلة أو انعدام الثقة بينهم ، وأيضا إلى ضعف أو فشل المدراء في التجاوب مع احتياجات العاملين و توقعاتهم و آمالهم ..

النظرة الثانية لظاهرة الصراع في المنظمة, كانت من قبل أصحاب مدرسة العلاقات الإنسانية ( HUMAN RELATIONS ), و الذين حاولوا إثبات انه ظاهرة طبيعية لابد من توقع حدوثها في أية منظمة أو مجموعة من البشر ( NATURAL OCCURRENCE ) ..

و يرى أصحاب هذه النظرية, انه كلما تواجد مجموعة من البشر, لابد و أن ينشأ الصراع و الخلاف ، و ذلك نظرا لتنوع و اختلاف رغبات و قابليات وإمكانيات و مصالح و أبعاد تفكير البشر أنفسهم (( و ربما هذا يذكرنا و يعيدنا إلى الخلاف الأول على سطح البسيطة و في البشرية, وهو الخلاف ما بين قابيل و هابيل )) ..

و قد نصح أصحاب هذه المدرسة على هذا الأساس, ضرورة تقبل هذه الظاهرة و التعامل معها على أساس إنها أمر واقع لابد منها ، لذلك فهم ينصحون الإدارة بأن تعمل على الاستفادة من هذا الصراع و التعامل معه بإيجابية ، بل و ظهرت أيضا مفاهيم ما يسمى ب ( إدارة الصراع – CONFLICT MANAGEMENT) ، و كانت أفكار هذه النظرية أو المدرسة قد برزت وشاعت في الفترة ما بين أواخر عام 1940 و لغاية أواسط السبعينات من القرن الماضي ..

لاحقا, ظهر مفهوم جديد للتعامل مع ظاهرة الصراع في المنظمة, إلا و هو مفهوم أو النظرة ( التفاعلية – INTERACTIONISTS ), ويرى اتباع و كتاب هذه المدرسة ضرورة تشجيع و تبني ظاهرة الصراع ( إلى حد ما ) باعتباره ظاهرة إيجابية وصحية في المنظمة, وان المنظمة أو المجموعة التي تعيش في جو من التناغم والتناسق والسلم والأمان والتنسيق الكامل والشامل, إنما هي ظاهرة على الأغلب غير صحية, حيث ستقود المنظمة أو المجموعة إلى حالة من الاستقرار غير الطبيعي و السكون و قلة الاندفاع و التحفيز و الابتكار, و من ثم ضعف الاستجابة للتغيرات والتطورات الداخلية والخارجية في المنظمة ، (( نذكر هنا مفهوم الحديث النبوي الشريف – .. اختلاف أمتي رحمة .. )) ..

لذلك ينصح أصحاب هذه النظرية المدراء على تشجيع إيجاد أو الحفاظ على مستوى ( مدروس ومسيطر عليه ) من الصراع داخل المنظمة ( أو المجموعة ), بالدرجة الكافية على إذكاء النشاط و الحيوية و الاندفاع و التحفيز و تولد الأفكار الخلاقة و الابتكارية و الاستجابة للتغيرات و التطورات الحاصلة في البيئة الداخلية و الخارجية للمنظمة ، وهذا بحد ذاته مهارة و فن و علم, و قد يجد الكثير من المد راء الصعوبة في إدراكه والتعامل معه و فك مكنوناته و رموزه ..

و استنادا إلى أفكار هذه النظرية, لا يمكننا القول بان صراع معين في داخل منظمة معينة هو صراع جيد أو سيئ, و ما لم نعرف نوع و سبب و درجة هذا الصراع ..

ومن هذا نفهم أن أصحاب هذه النظرية الحديثة لا يدّعون في الحقيقة أن كل صراع مفيد, فهناك أنواع من الصراع تكون فعلا مفيدة ( FUNCTIONAL ) لغرض تنمية روح العمل و الأداء المتطور و الإبداع ، و هناك العكس في أنواع من الصراع تكون مضرة ( DYSFUNCTIONAL ) و تؤدي إلى بعثرة الجهود و ضياع الوقت و انخفاض الأداء و إطفاء روح الحماس و الاندفاع لدى العاملين ..

و ينصح أصحاب و اتباع هذه المدرسة المدراء بضرورة التعرف على أنواع و خلفيات و مستوى الصراع للوصول إلى كونه مفيدا أم لا, و من ثم اتخاذ الإجراء أو القرار بشأنه ..

و هناك بشكل عام ثلاثة خلفيات أو مرجعيات أو مسببات رئيسية لحدوث الصراع في المنظمة أو داخل المجموعة, الأول هو الصراع المتعلق بالعمل والمهام والأهداف الأساسية له ( TASK CONFLICT ), و الثاني هو الصراع المتعلق بالعلاقات الشخصية ( RELATIONSHIP CONFLICT ), و النوع الثالث, هو المتعلق بإجراءات تنفيذ العمل و المهام في المنظمة أو داخل المجموعة ( PROCESS CONFLICT ) ..

وقد بينت الدراسات الحديثة بهذا الشأن أن الصراع المتعلق بالعلاقات الشخصية يكون على الأغلب صراعا مضرا و غير فاعلا و غير مفيدا, نظرا لما يسببه من خلافات و صراعات شخصية ، و ينصح بأن يسمح بتواجد مستوى منخفض من الصراع المتعلق بإجراءات تنفيذ العمل, و مستوى منخفض إلى متوسط من الصراع المتعلق بالمهام و الأهداف الرئيسية للعمل ..

في الواقع, أن مفهوم الصراع يعتبر من الجوانب المهمة والحيوية في المنظمة, و هي تعتبر من صميم مهام المدير و أعماله ، و هي تتطلب توافر خبرة و فن و دراية و قدرات شخصية و خلفية علمية كافية للنجاح في التعامل مع هذه الظاهرة بشكل ناجح ، و تكمن الخطورة في فشل المدير في تشخيص مكامن أو أنواع الصراع و أسبابها و مستوياتها, و بالتالي سيفشل في التعامل معها و معالجتها و وضعها تحت السيطرة ، و هذا بالتبعية يؤدي إلى استشراء المرض و الوهن و الضعف و الخلل على مستوى المنظمة, وبالتالي إلى انخفاض مستوى الأداء و الفشل في تحقيق الأهداف ..

لا تعليقات

اترك رد