القاموس اللغوي للمثقف المصري

 

” خذ الكتاب من عنوانه ” هكذا تعلمنا, وأريج الثمرة يُنبئك بمذاقها الحلو, والماء الآسن تسبقه رائحته العفنة, وهكذا كل إناء ينضح بما فيه, ومن يرتقي بفكره ويسمو بروحه وينهل من عيون الفكر و نهر الثقافة والأدب والفن لابد أن يكون ذي هالة من وقار ولطلعته بهاءا يشبه بهاء العروس يوم زفافها وإشراقة كإشراقة الشمس بعد ليل بهيم. كلما شاهدت تسجيلا من التسجيلات القديمة لأهل الفكر والثقافة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي يبهرني وقارهم وإتزانهم,

إنهم يعرفون مكانتهم وأن الشعب ينظر إليهم نظرة تقدير وإحترام, فنجدهم في كتاباتهم, إجتهدوا في إختيار الكلمات والأساليب والعبارات, لأنهم علي يقين بقيمة ما يكتبون, وأن كل كلمة سوف يطلقونها من أقلامهم سوف تصبح مصنعا أو معملا أو سنبلة في حقل, كانت كلماتهم تصنع أجيالا وتبني أمة, لقد كان كل أديب من أدباء مصر جامعة عريقة قائمة بذاتها, وإستقر في وجدان الأمة أن هؤلاء أنبياء ورسل للفكر والأدب والذوق الرفيع,

وأن كل فنان مصري هو مثالا حيا لضمير الأمة, ومحراب إبداع يبعث في الشباب المثل العليا من حق وخير وجمال. لقد أخذت أم كلثوم الشعب كُلهُ علي جَناحيها ليُغني معها الأطلال وقصة الأمس وإذكريني وسلو كؤوس الطلي وسلو قلبي, وسَحر عبد الوهاب كل طبقات الشعب فكانوا يَسبحون معه في الجندول والنهر الخالد والكرنك وكيليوباترا ومجنون ليلي, كذلك الأغنيات التي كانت باللهجة العامية نجدها قد إرتقت بالكلمات والمعاني إلي ما هو أروع من الفصحي إن صح التعبير, وما بيرم التونسي وأحمد رامي وحسين السيد ومرسي جميل عزيز بأقل شأنا من شوقي وحافظ و ناجي وعلي محمود طه,

وما أغنية عاشق الروح لعبد الوهاب أو سهران لوحدي ويللي كان يشجيك أنيني لأم كلثوم أو بنادي عليك لفريد الأطرش أو ليالي الأنس لأسمهان وقلبي دليلي للرقيقة ليلي مراد إلا أغنيات باللهجة العامية المصرية ولكنها قمة في الذوق والجمال! لماذا تغير الحال الأن؟ بل لماذا إنتهي كل شئ؟ لماذا لم يعد الكاتب أو الأديب أو الشاعر والفنان محور إهتمام القارئ والمستمع؟ لماذا لم يعد الفنان نجما براقا يتغني به المصريون والعرب كما تغنو به من قبل؟ والكل يذكر رائعة محمد عبد الوهاب أنشودة الفن للشاعر العظيم صالح جودت (الدنيا ليل والنجوم طالعة تنورها, نجوم تغير النجوم من حسن منظرها )!

لقد أصبح السوقة والرعاع فقط هم محور إهتمام الأديب, وللأسف هو إهتمام سلبي, بمعني أن الأديب يحرص علي أن يستمد قاموسه اللغوي من مصطلحاتهم الشاذة وأفعالهم المتدنية وإشاراتهم الماجنة والساقطة! وزادت شبكات التواصل الإجتماعي مثل الفيس بوك وتويتر من إنتشار هذا الإسلوب الفج والغريب, فأصبح من السهل جدا أن تجد كاتبا أو أديبا بل وأحيانا شاعرة أو روائية تتلفظ بأفظع الكلمات والعبارات التي لا تسمعها أبدا إلا في أكثر الأماكن فسادا و أقلها أدبا وخلقا وتربية. الأديب لم يعد مفكرا ولم يعد يهتم بإصلاح مجتمعه, بل صار إمعة, يحاول أن يتعلم إسلوب الحياة لهؤلاء المُسجلين خطرا علي الأمن, ويسلك في تفكيره طرائق المُسجلات أداب في التفكير والحديث والحركات, يفكر كيف يدور الحوار بين هؤلاء الناس, لا يهمه أي طبقة من الناس هؤلاء, وعلي أي قدر من الثقافة والتفكير هم وبدلا من أن ينتشلهم يغرق هو في مستنقعهم الآسن.

لقد إنخرط سيد درويش في أعماق المجتمع المصري وصاحب العمال وأرباب الحرف, لكنه حين تغني ونطق بلسانهم كانت ألحانه تبعث علي العمل والبناء ورفض الظلم والإرتقاء بحياة تلك الطبقات الكادحة من الشعب, وحين غاص نجيب محفوظ في الحارة المصرية لم يخرج منها إلا بزقاق المدق وبين القصرين والسكرية والقاهرة 30 وكان فيلسوفا راقيا يشير بيد ثابتة وبعين ثاقبة إلي أمراض المجتمع المصري ويطرح العلاج والحل ويراهن علي قبوله من العامة قبل الخاصة, ويبشر بعصر العلم ونور المعرفة في أولاد حارتنا. لابد لطبقة المثقفين في مصر أن تقف وقفة صدق مع الذات , وعلي كل مثقف أن ينظر إلي صورته في المرآة, ويقرر هل ما يقدمه يليق به وبما يحمله من فكر وأدب وسمو, هل يحمل مبادي الحق والخير والجمال داخل ذاته وخارجها, هل يسلك السبيل الصحيح من أجل خدمة وطنه وأمته, تلك الأمة العظيمة التي يليق بها وبتاريخها الجبار أن تتربع علي عرش الثقافة والفن والأدب عالميا وإقليميا.

لا تعليقات

اترك رد