الوطن، المواطن والسلطة – ج1


 

يتكون مفهوم الوطن بالانتماء إليه والحفاظ عليه وعلى ممتلكاته وثوابته، والدفاع عنه كيفما كانت الظروف وحالات الحرب والسلام، إنه الأمن والأمان والاستقرار، فبخدمته واحترامه يمضي إلى الأمام ويتطور علما ومعرفة، فواجب تعزيز مفهوم الوطن يقع على عاتق أبنائه من النخبة المثقفة الأوفياء، إنهم القادرون على تعزيز هذا المفهوم وترسيخه، والقيام ببناء مجتمع واعي ومسؤول.

ولتعزيز مفهوم الوطن يجب تعزيز الفكر الجمعي للشعب ووضوح مفهوم الوطن لدى العامة، من أجل إقامة حضارة إنسانية وتحقيق نهضة ثقافية عربية جديدة وبدماء وروح جديدة، فالوطن الذي يقدمّ الأمن والمأوى للمواطن يجب الاهتمام به والإهتمام به يعني الإهتمام بالتعليم والصحة والزراعة والصناعة وو… فلا يمكن فصل أمن هذه الأشياء عن مفهوم الوطن، لأنها أشياءٌ مترابطةٌ ببعضها البعض، وتُعبّر عن تكامل مقدّرات الوطن معاً، كي تصنع منه وطنا حصينا لا يستطيع زعزعة استقراره بسهولة.

والإنسان ابن زمانه ومرحلته الآنية ووجوده في حقيقته مرتبط به، فهو لن يتمكن من معرفة ذاته وتحقيق تلك المعرفة إلا من خلال المعارف التي يكتسبها في حياته، وترتبط في سبل اكتسابها وكيفها وكمّها بالزمان الذي يعيشه. إن البحث عن مفهوم الإنسان في الفكر العربي سوف يكون مجرد عبث، وترف فكري إن لم يوضع في إطار حل إشكالية يعانيها الواقع العربي المعاصر. فالعودة إلى الماضي للتغني بأمجاده لن تكون في نهاية المطاف إلا نوعاً من الهرب من الواقع، واعترافاً بالعجز عن التفاعل معه والتأثير فيه.

مهما تنوعت وتعددت تجارب الفرد، فإنها غير كافية لمعرفة الذات الإنسانية، ولابد للإنسان إذن من الاطلاع على تجارب الآخرين وهو ما يمكن تسميته بالمعرفة غير المباشرة وهناك المعرفة المباشرة التي تقدمها التجربة الفردية. ولا شك في أن أهم أنواع المعارف غير المباشرة الضرورية لمعرفة الذات هي تلك المعارف التي تربط تجربة الفرد الذاتية بتجارب أسلافه وخبراتهم ومعارفهم، لأنه في واقعه وتصوره للحياة إنما يشكل امتداداً زمانياً ومعرفياً لهذه التجارب.

إن النظر في واقعنا العربي اليوم يقودنا إلى القول بأن ما تعانيه هذه الأمة من عقبات ونكبات وانتكاسات إنما يكمن في كونها لا تعرف ذاتها، وتجهل هويتها وتجهل مسار حياتها كليا وما الهوية إلا الثقافة التي ينتمي إليها الإنسان، وتشكل امتداداً للثقافة التاريخية الاجتماعية. ولذلك فقد اقتضى أن تكون معرفة الذات، وتحقيق هذه المعرفة، مرتبطة بالعودة إلى الثقافة التي تنتمي إليها هذه الذات.

من أسباب تخلف الأمة أيضا، بعد الهزات العنيفة والهزائم التي لحقت بها، كل ما كتب حول هذه الأسباب أو قيل إلى درجة أنه هو نفسه أصبح سبباً من أسباب تكريس التخلف والتعود عليه. ولعل الدراسات والأفكار والتصورات التي وضعت لإزالة هذه الأسباب ما كانت في جوهرها إلا نتيجة تلك الأسباب ذاتها، لأنها كانت تنطلق أساساً من مرجعيات مختلفة ومتغيرة بحسب الزاوية الذي تصدر عنه من جهة، وبحسب تبعية هذا الفكر لتيار من تيارات إيديولوجية أو سياسية. أضف إلى ذلك أن تلك المرجعيات ذاتها كانت مرجعيات غربية، أي غريبة في معظمها عن ثقافة الأمة العربية الاجتماعية الثقافية والسياسية والتاريخية.

لا تعليقات

اترك رد