الرمان توأم النخيل، للعراق توأمين للحنين


 

أن يغادر الإنسان عن وطنه، هو لا يعني أن الوطن قد سقط منه عند سياج الحدود. فكثيرون هم الذين حملوا أوطانهم في حقيبة، والبعض منهم علق وطنه على حيطان غربته؛ بعد أن أدرك بأنه لن يقدر على أن يحمل كل الحيطان والبيوت معه. والبعض أسكن وطنه في بيت القصيدة، وآخرون جعلوه لوحة من رماد الحنين وآخرون تركوه غصة في حلوقهم؛ لكنهم لم يتخلوا عن انتماءهم وظلوا ملتصقين به فراحوا يعبرون عن هذا الالتصاق بأعمال توحي إليه إما بلوحة أو قصيدة أو مجسم يمزجون عطر الحنين بالألوان.

فريال الأعظمي، فنانة تشكيلية عراقية لم تضع توقيعها على ورق تسافر به ريح النسيان، أرادت أن تترك ارثها الفني في ذاكرة المكان، وحيطان المتاحف، لم تنتمي إلى مدرسة تشكيلية بذاتها، لكنها تُعتبر من الطراز الكلاسيكي. شغوفة في الفنون العربية وبما أنها تنتمي إلى حضارات بلاد ما بين النهرين السومرية والآكدية. وتأثرت بفنانين تشكيليين كبار في الخط العربي والإسلامي؛ وهذا الشغف دفعها إلى أن تتبّنى صياغة الحرف العربي وإعادة تشكيل حروفه على هيئة لوحة، حروف منثورة تترك للمتلقي مساحة وحرية في نسج العبارة التي تتوق لها روحه لكنها لم تترك المتلقي في حيرة؛ إذ أنها دائماً ما تستوحي من أبجدية الحروف كلمة تكون هي بيت القصيد والدليل السياحي لعيون المتلقي ليعرف على أي جغرافية هو يقف.


من يراقب أعمال ومعارض الفنانة فريال الأعظمي بعين المتلقي العادي، في الوهلة الأولى يتوهم أن أعمالها متشابهة وقد يكون المتلقي صادقاً في ذلك؛ وهذا حين ينظر إلى النمطية في أعمال الأعظمي فقط من خلال الأدوات والمواد الأولية والتي تتكون من حروف خشبية وسراميك وألوان عتيقة تأتي كعزف مرافق لطبيعة العمل. لكن من ينظر إلى أعمالها بعين العارف سوف يدرك أنها في كل مرة تخرج من إطار النمطية إلى إطار تشكيلي جديد. فهي نمطية بتمسكها بالحرف العربي لكنها متجددة في مواضيع لوحاتها. ففي عام 2013 قامت بمعرض كان بمثابة تكريم للشاعر الفلسطيني ” محمود درويش” والذي اختارت له عنوان ” درويش كيف اتلو عنك؛ وأنت بمحراب الشعر إمام” في هذا المعرض كرست نفسها لاختيار أجمل أشعار درويش فنثرت حروفها الخشبية على تراب لوحاتها لتصوغ منها اختزال القصيدة بعبارة تصرخ بصوت درويش الغافي في جسده والناطق بأشعاره. ومن بعدها ظلت في صمت فليس من السهل على الفنان أن يصحو من سكرات عمله الأخير؛ إلا بعد أن تنتهي روحه من خلجات العمل الذي سكنه إلى درجة التقمص والتوحد.

مؤخراً أقدمت الأعظمي إلى عمل فني مغاير وبإطار مختلف عن نمطية أعمالها السابقة من خلال عمل نحت خشبي لرمانتين بمقاسين مختلفين الأولى: قطرها 75 سم وارتفاعها 85 سم والأخرى: قطرها 55 سم وارتفاعها 65 سم.

ومع أنها قد خرجت عن المألوف إلا أنها بقيت وفي الوفاء لم تخن ولاءها للحروف فسكبت تلك الحروف حبّات رمان في قلب مفتوح الشرايين ينبض بالحياة.

ويشكّل هذا العمل الجديد تناغماً متضاداً؛ ما بين النمطية واللانمطية؛ إذ أنه نمطي منحيث ماهية الفكرة والأدوات الأولية؛ وكذلك كموروث عربي وشكل مشتق من البيئة العربيةبشكل عام والعراقية بوجه خاص. والنمطية في هذا العمل الفني لا تعني التكرار الذاتي؛هو أقرب إلى النمطية الأصولية في نسيج الفكرة الجديدة من ذات الجذور.

واللانمطية هنا، تأتي من فكرة نقل العمل الفني المتجسد بلوحة معلقة على الجدران لفتحآفاق حدقة المتلقي، من مجرد زاوية مستقيمة، إلى حدقة تدور في أبعاد العمل الفنيالغافي على إحدى الزوايا وإما على رخام الأرض تدور حوله حدقة المتلقي وتتلمسمساماته.

من جمالية هذا العمل، أنه يمنح الضوء مساحة أوسع، ويعطي للمتلقي دوران في الأبعادالسداسية؛ فلا يكون سقوط الضوء من جهة واحدة. إذ أن ذرات الضوء تتراشق منالأعلى على كامل جسد العمل.

العراق، هو الحاضن لشطي دجلة والفرات، وما كان للعراق ليكتفِ بمعشوقه الأوحدالنخيل، فكان الرمان المترامي على طول شطيه معشوقاً آخر وكان واحداً من الأشجارالمشهورة في حضارات العراق المتعددة. فالرمانة لم تكن عملاً فنياً بحد ذاته بل هي جزءمن ذاكرة العراق.

إن اختيار مثل هذا الحجم لتجسيد ” الرمانة ” لم يكن مجرد ترف في توسيع المقاساتوحياكتها بالحجم الكبير؛ بل كان متعمداً، إذ سبق ” للأعظمي” أن قامت بعمل فني لشكل الرمانة، من خلال تجسيدها على هيئة لوحة تبرز الرمانة مع حروف مرصوفة تتناغمهرمونياً في موسيقى تجانسية، شدهت عيون المتلقي وجذبت ذاكرة الحنين إلى أشجارالرمان وأغصانها التي تتدلى على مرايا دجلة والفرات. فالغاية من اختيار هذا الحجمالضخم هو جعل الرمانة العزف المنفرد بعيداً عن النمطية في ارفاق الحروف واللانمطيةهي استقلالية العمل بذاته عن نمطية الحروف المرصوفة.

هناك من يعتقد بأن النمطية تعني التكرار النمطي للعمل الفني؛ بينما النمطية في مضمونها الأعمق تعني الولاء والانتماء إلى الأصل الذي بدأ منه، مع وجود هاجس التغيير والتكنيك المستمر في إضافة لمسات مختلفة على العمل الجديد، مع التمسك الواعي بنمطية العمل الفني.

البصمة الذاتية هي أعظم ما يميز الإنسان بشكل عام والفنان بوجه خاص. فيصبح من السهل على المتلقي المولع بالفن أن يميز عمل كل فنان دون حاجة إلى أن ينظر إلى التوقيع أسفل اللوحة. وهذا ما سعت إليه الأعظمي من خلال تمسكها بالحرف العربي كأصل ونواة لكل عمل لطالما آمنت أن الحضارات العربية والإسلامية على اختلافها أضافت للتاريخ جمالاً وشكلاً باذخ الترف. وكذلك حين تتكون علاقة ما بين الفنان والوطن حتماً سوف ينجرف بعشقه لوطنه إلى كل ما يوحي إلى وطنه والعراق من أول التاريخ إلى هذا الوقت وهو ايقونة فنية وحضارية لا يمكن لكل من به شغف وحس مرهف ألا يجسد حضارات الرافدين لوحة منقوشة بحبر الحنين وريشة الأمل بأن يعود للأمة العربية مجدها الذي تهاوى في حروب طالت حتى المتاحف والمعالم الأثرية في بلاد مثل العراق وسوريا.

الأعظمي، حدود لوحتها من حيث يشرب الطائر ماء النيل إلى حيثُ أغصَّان الزيتون بالقدس العتيق، إلى أن يلثمَ ثغر النخيل شَّطي دجلة والفرات، إلى قُبة الأموي والحمائم ترفرف لدمشق الياسمين، إلى اشجار الارزِ لحظة الأصيل وعلى الخليج كألوان الفراشات تحوم تخطف اللؤلؤ المنثور على خدود البحرين.

شارك
المقال السابقالذكاء دخل آلاتنا .. فهل خرج من رؤوسنا؟
المقال التالىذَنبُ وَلائي …
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. الحمد لله الذي اعطانا المولى عمرا لنرى هذه الاعمال
    القيمه الرفيعة المستوى التى هي حقا نرى العراق
    من خلالها وليس من خلال مسؤوليها ووووو
    احي يدك الناصعة اختي العزيزه الحبيبه فريال داعيا
    الرحمن ان يمد لنا بعمرك اكيد مع الصحه والسلامه لك
    ولجميع أفراد العائله و على رأسهم عبد الحكيم
    الاعظمي ابو اسامه الورد
    مع محبتي الصادقه لكم

اترك رد