تقسيم سوريا أو أن تتخلى روسيا عن الأسد وإيران

 

حتى الآن ما رشح عن القمم في الرياض ما يزال ترامب يتحدث عن ناتو عربي لجلب الاستقرار إلى المنطقة على غرار الناتو الغربي وهو حريص على تشكيل تحالف جديد، ويريد ترامب أن يوجه رسالة إلى الذين يتغاضون عن التطرف أو يدعمونه بأن عمر الإرهاب قصير ويجب أن يكونوا عناوين فاعلة.

لذلك هناك ملفين في الوقت الحاضر تدعمه الولايات المتحدة هما ملف مواجهة الإرهاب، والثاني ملف مواجهة الإرهاب الإيراني وحتى النظام السوري، ولم يحدث أن تحدثت الولايات المتحدة بهذه اللغة مع إيران حيث صرح ترامب بأن على أي رئيس إيراني عليه أن يفكك شبكات الإرهاب التي نسجتها إيران ودعمتها خلال الفترة الماضية واعتبرها ترامب من البديهيات.

لذلك لا يزال الدور الأمريكي في سوريا حتى الآن تكتيكيا وليس استراتيجيا، وبدأ كثير من المحللين يتساءلون أين سوريا ذاهبة، وبالتحديد ماذا تفعل الولايات المتحدة في الجنوب السوري تحديدا في البادية السورية.

هناك دورين للولايات المتحدة في سوريا ميداني وسياسي، يعتبر البعض أن الميداني رؤيته واضحة، بينما رؤية السياسي غير واضحة للحل في سوريا، خصوصا بعدما ظهرت عدة عناصر في الجنوب السوري، حيث هناك المشروع الروسي الإيراني المشترك، فيما لا يوجد مشروع أمريكي في سوريا مما أوجد فجوة كبيرة، كانت فرصة غير متاحة للضغط باتجاه سوريا موحدة بل من أجل سوريا مقسمة.
لذلك يتساءل البعض ماذا تفعل أمريكا في التنف حتى دير الزور ليس هناك إلا لضرب داعش، وحتى التهديدات هي تحذيرات تتعلق بالوضع الميداني وليس السياسي بسبب أن فريق العمل الأمريكي لم يكتمل، فيما الأطراف المعادية إيران وروسيا تتجاوز الخطوط الحمراء، حيث نجد روسيا تتجه نحو تعويم النظام السوري الذي لا ينسجم مع أقوال روسيا، وهي لديها مشروع لملئ الفراغ الأمريكي في سوريا.

هناك فجوة كبيرة بين جنيف واستانة تسعى روسيا إلى تقليص الفجوة، في المقابل هناك مشروع إيراني نشط لفتح الطريق إلى البحر المتوسط، تركيز أمريكا على التحالف مع الأكراد والتنسيق معه من أجل الدخول إلى العراق، رغم أن تركيا أبدت استعدادها لمحاربة داعش ولكنه أتى متأخرا، وهو ما جعل تركيا تتهم بأن داعش الذراع اليمني لأمريكا، وسبق أن اتهم ترامب أوباما بأنه ساهم في إنشاء داعش.

الخليط في السياسة الأمريكية يمكن فهمها من خلال الأولويتين في الشرق الأوسط محاربة داعش ومواجهة التمدد الإيراني عبر مليشياته التي أنشأها في ظل فراغ أمريكي وانشغال عربي بالاضطرابات التي اجتاحته.

بالطبع تركيا هي الأخرى دفعت ثمن ترددها في التدخل وتركت الأكراد يكسبون ود الولايات المتحدة وثقتها عندما تأخرت في مواجهة داعش، وخدعت كلينتون تركيا على غرار هنري كيسنجر كعادة السياسيين في الولايات المتحدة عندما نصحت تركيا بقطع العلاقات مع النظام السوري في بداية الأزمة السورية وتركتها فرصة للتدخل الإيراني ومن ثم الروسي بسبب كذلك أن تركيا كانت أسيرة القومية الإسلامية ودفاعها عن الإخوان المسلمين وتوجهها نحو أسلمة الثورة السورية التي فتحت الباب أمام تشكيل وتوافد الجماعات الجهادية ما أدى إلى انقسام المواقف الإقليمية في مواجهة الأزمة السورية.

تركيا خدعت من قبل أمريكا في سوريا مثلما انخدع العرب بأن أمريكا اعتبرت إيران عدوه ولكن سلمتها العراق، إذا كانت تركيا والسعودية لن تقبلا بتقسيم سوريا لكن الغرب ينظر إلى الأزمة السورية ببراغماتية بأن هناك واقع على الأرض وإدارة ترامب ليست بصدد تغيير الواقع ولن يدخل في صدام مع روسيا في سوريا.

هناك تحذيرات أمريكية من إخلاء الساحة العراقية لإيران حيث يؤكد جنرال أمريكي توماس تاسك نائب قائد العمليات الخاصة الأميركي بأوامر طهران بأن الكثير من المسؤولين العراقيين لا يأتمرون بأوامر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يتزامن مع تقرير بريطاني سلط الضوء على سيطرة ميليشيات الحشد الشعبي التي تضم فصائل شيعية موالية لإيران على قرى على الحدود مع سوريا أي أنه منح طهران موطئ قدم بشكل متقدم فيما تتسابق قوات النظام السوري وواشنطن إلى تلك المنطقة.

بل أكدت دراسات أميركية بأن قادة مليشيات مسلحة منهم قائد منظمة بدر هادي العامري ينسق مع الجنرال قاسم سليماني المسؤول عن العمليات الخارجية لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ويؤكد ماثيو ماك اينيس في معهد انتربرايز بأن إيران استغلت الحرب على داعش لتجعل من العراق جزء من المنظومة الأمنية أكثر من أي وقت مضى.

أقنعت السعودية ترامب بأهمية استعادة العراق من إيران لتوازنه الإقليمي، ويرى تقرير بريطاني أن الانتصار الذي تحقق في الأيام الماضية الذي تركز على قرية كوجو التي سبق أن شهدت واحدة من أسوأ المجازر عند اجتياح مقاتلي داعش لمناطق الأيزيديين في عام 2014، وتعتبر التايمز أن سيطرة المليشيات الموالية لإيران على تلك المناطق يمثل أول موطئ قدم لإيران في هذه الجبهة منذ الغزو الأمريكي للعراق منذ عام 2003.

وهناك تساؤولات عدة منها هل سيفوز النظام السوري بأن يكمل قوس بمساحة 500 ميل من المناطق الخاضعة للشيعة تمتد من إيران إلى لبنان ليتحقق ما ظلت تحلم به طهران لزمن طويل في السيطرة على ممر أرضي يمتد إلى البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يجعل الرئيس ترامب من تسريع تسليح الأكراد لتدفعهم للوصول أولا إلى منطقة كوجو من جهة الغرب لمنع تحقق هذا الحلم ولكنه يزعج تركيا.
أي أن أطماع إيران تضع الحشد الشعبي على خط النار مع البيشمركة التي اعتبرته شخصيات كردستانية بأنه يصب في صالح توسيع النفوذ الإيراني ما ينذر بمواجهة محتملة في حال حاولت قوات الحشد السيطرة على سنجار بالتعاون مع بي كا كا وهو يشكل خرقا لاتفاق عسكري بين العراق والإقليم.

وعندما رد هادي العامري على التهديدات الأمريكية بأن قواته سيطرت على قرية تارو في محاذاة سنجار قرب الحدود السورية وأنها ستبدأ عمليات عسكرية لتطهير الحدود باتجاه قضاء القائم غرب الأنبار رد عليه قيادي من قوات سوريا الديمقراطية إنه سيتم التصدي فورا لقوات الحشد الشعبي إذا عبرت الحدود إلى مناطق سيطرتها.

يسيطر الحشد على البعاج في أقصى غرب الموصل وهو سهل رسوبي يسكنه غالبية السكان وهو بوابة مفتوحة نحو البادية السورية نحو محافظة الحسكة ودير الزور وهي بادية مفتوحة وهي باتجاه نحو التنف بنحو 400 كيلومتر، وقضاء البعاج بوابة لديالي مرورا بصلاح الدين وتكريت وصولا إلى البادية السورية.

إيران تحقق حلمها وبوتين يعبر عن قلقه من تفكك وتقسيم سوريا على هامش منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي لوسائل الإعلام في 1/6/2017 فيما تسعى فقط روسيا نحو العمل على إقامة مناطق تخفيض تصعيد في سوريا لكنها تخشى أن تتحول تلك المناطق إلى شكل أو صيغة للتقسيم المستقبلي للأراضي السورية، فيما يهدف بوتين نحو تحقيق تلك المناطق من أجل أن تبدأ حوارا ما وتعاونا ما بهدف استعادة سوريا لسيطرتها على كامل أراضيها والحفاظ على وحدة تلك الأراضي.

وزادت روسيا وجودها العسكري في البحر المتوسط إلى 15 قطعة حربية ويضم الأسطول الروسي في البحر المتوسط نحو 10 سفن وقطعا بحرية منها الفرقاطتان ( الأميرال غريغوروفيتش ) و( الأميرال إيسين )المزودتان بصواريخ ( كاليبر ) وانضمت أخيرا الغواصة ( كراسنودار ) وهي التي أطلقت منها صواريخ كروز على منطقة تدمر واستهدفت عناصر من مقاتلي المعارضة التي تدعمها واشنطن وادعت موسكو بأن الضربات كانت موجهة لداعش هاربين من الرقة لم تكن سوى رد ورسالة على عملية القصف الأمريكية على منطقة النتف قبل زيارة ترامب للسعودية واستهدفت رتلا عسكريا لقوات النظام والمليشيات الإيرانية على الحدود العراقية.

مثل هذا القصف دخول روسيا على خط التنافس بين أمريكا وإيران بعد توافق استمر 7 سنوات الذي يتصاعد بوتيرة حامية خصوصا وأن أمريكا تتجه نحو العمل الجاد بالتفاهم مع روسيا في عمان في الأردن لإقامة منطقة آمنة تمتد من الجولان فدرعا فالسويداء وصولا إلى دير الزور عبر معبري التنف والبوكمال لكن القصف الروسي كان عشية المحادثات في عمان لأن تلك المنطقة تحرمها من الوقود الذي يعزز وجودها في سوريا وهي المليشيات الإيرانية، لكن جددت واشنطن قصف قافلة تابعة للنظام السوري شرق سوريا لم تستجب لتحذيرات سابقة بعدم دخول هذه المناطق، وهذه الضربة الثانية خلال أقل من شهر.

حيث ترى الولايات المتحدة أنه إذا فقدت إيران ممراتها إلى لبنان عبر سوريا والعراق فإنها ستفقد نفوذها في العراق الذي بدأ يسجل مواقف ضدها حتى من قبل قيادات شيعية أبرزها مقتدى الصدر وحتى حيدر العبادي الذي بدأ يتضايق من الحشد الشعبي ومن ممارساته، واعتبره مقتدى الصدر عبث إيراني يجب وقفه، وترى الولايات المتحدة إذا ما تم وقف نفوذ إيران في العراق فإنه سيتم وقفه في سوريا، لكن روسيا تتغذى على المليشيات الشيعية الموالية لإيران في سوريا التي دعمت النظام السوري وبتحييدها سيفقد النظام السوري قوته عندها ستتنازل روسيا عن النظام السوري هذه خطة الولايات المتحدة لكن هل تقبل روسيا ذلك؟.

تحاول واشنطن تقنع روسيا إصرارها على رحيل الأسد ولا ما نع أن يكون في مرحلة انتقالية، وأن إيران لا تساهم في التهدئة في سوريا وشككت واشنطن بدور إيران كضامن لمناطق تخفيض التصعيد، كما أن روسيا منزعجة من تصريحات نائب الرئيس مايك بينس في كلمته في 6/6/2017 أمام مجلس الأطلسي عندما قال إن العالم أصبح أكثر خطورة بسبب السياسات الروسية والإيرانية والتهديد الإرهابي، وأشار بينس إلى محاولات روسيا إعادة رسم الحدود الدولية بالقوة، ومحاولات إيران زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، والتهديد الإرهابي، لكن الكرملين لا يزال يضبط نفسه ويفصل بين ترامب والآخرين والتمسك بآمال تحسن العلاقات بين البلدين.
التنافس في سوريا يبدو انه لن يقرر مستقبل سوريا بل مستقبل التوازنات الإقليمية في ظل حدود الدور الإيراني والدولية في رسم الأدوار والحصص الأميركية والروسية بعيدا عن الدور الإيراني وهو حتى الآن ترفضه روسيا لأن تواجدها في سوريا قائم على المليشيات الإيرانية وخروجها إضعاف للدور الروسي ولكن أين تتجه الأزمة السورية هل هناك بارقة أمل؟ يبدو أن ما يدور تفكيك للأزمة السورية التي تعقدت بعد دخول روسيا وقد تقود للحل في سوريا، أي أن مصير سوريا رهن صفقة أميركية – روسية.

لا تعليقات