نحو القلوب

 

كان يجد هذا الدّرس أثقلَ الدّروس وأملّها كما كان يجد ذلك عددٌ كبير من زملائه؛ يقول لرفيقه وقد اصطفّ التّلاميذ أمام القاعة: ما أظنُّ هذه السّاعة تنقضي. فيجيبه بابتسامة فاترة… يتّخذ كلٌّ مجلسَه ورفيقا له يشاركه كتاب اللّغة، أو ينقل عنه ما فاته من ضوابطَ وتمارينَ اضطرّ الأستاذ لمحوها حتّى يكتب أخرى، أو يقاسمه ضحكة أو وشوشة يبدّدان بها ضيقا ران على قلبيهما الصّغيرين.

يتصفّح كرّاسه المدرسيّ؛ تمرّ أمام ناظريه صناديقُ جمل أحْصتْ أشكالها النّحويّةَ ووظائفَها، وجمل سُطّرت إحدى عباراتها، وفراغاتُ مُلئت، وجداولُ … يتوقّف عند جملةٍ: “نلتُ رضا أبي”. يقول في نفسه: أجد هذه الجملة قريبة إلى قلبي. أنا صاحبُها، حازت رضا أستاذي، دوّنتها على السّبّورة ودوّنها جميع زملائي. ذكرت ثناء أبي عليّ وقد رعيتُ أخي الصّغير مدّةَ غياب أبويّ. إحساسي برضا أبي أجرى الجملة على لساني. لم أتردّد في تعيين الوظيفة النّحويّة: ” رضا أبي” مَنولٌ نلته فهو مفعول به…

أيقظه من شروده وقعُ طبشورة أستاذه على السّبّورة ووقعُ صوته الجهوريّ في سمعه” أفعال القلوب”

– وهل للقلوب أفعال سيّدي؟

– بل لا فعل إلّا لها وبها.

أبنائي الأعزّاء. لن أسألكم اليومَ غير العبارة عن أنفسكم، ولن تكتبوا غير خطرات ضمائركم وما هجس في قلوبكم. فأعْربوا وأفْصحوا فإنّي سامع لكم. وإنّي أراكم بُلغاءَ. فما الّذي استيقنتم وثبت في خلَدِكم؟

أشرقت عيون التّلاميذ، وضاءت بسمة على شفاههم. نظروا إلى بعضهم البعض، تأمّلوا الفراغ واستبصروا، أنصتوا إلى وجيب قلوبهم، نظروا إلى صوب عقولهم. بادر أحدهم:” وجدتُ صديقتي مريمَ بهيّةَ الطّلعةِ”، أضاف ثانٍ:” علمتُ الأسرةَ عمادَ حياة الإنسانِ”، أردف ثالثٌ: ” دَرَيتُ أنّ الجدَّ سبيلُ النّجاح” تابعت رابعةٌ: “ألفيتُ أستاذي مُنشرِحَ الصّدرِ”، خاطب خامس زميله:” تَعَلّمْ أساسَ النّجاح العزمَ والتّصميمَ، قال سادس: “أرى الدّرسَ مَاتعا”.

– ما أجمل هذه المعاني القائمة في قلوبكم استيقنتموها! فما الّذي غَلبَ على الظّنّ أو رجّحتم؟

اندفعوا فوصفوا ظنّهم السّالف بدرس اللّغة: ” ظننتُ الدّرسَ مملّا، “حسِبْنا اللّغةَ أشكالاً وصيغًا”. وذكر سامي نصّ ” أخذت غيباته تطول” من كتاب النّصوص لتلاميذ السّنة السّابعة من التّعليم الأساسيّ فقال: “جَعَلتْ الأمُّ زوجَها حَيّا”.

وتعاتب الصّديقان فؤاد وصالح:

– خِلتُ صالحًا صديقًا

– حَجَوْتُ صديقي أمينا.

وذكر أحمدُ أنّه أساء فهم صاحبه فقال:” عدَدْتُ مُزاحَ صاحبي جدّا”…

وأثناء الاشتغال على الجمل كان جدل بين نجاحٍ ويُوسُفَ:

– زعمتَ أنّ الجملةَ اسميّةُ.

– هَبِيني مخطئا فصوّبيني.

قد أوشكت الحصّة أن تنتهيَ. دوّنُوا الجُملَ الّتي صُغتم ولْيُعلِمْ كُلٌّ جملتَهُ. ولا حاجةَ لكم لغير هذا. أمّا أنتما: فؤاد وصالح تَعاليا. سأصلحُ ذات بينكما.

ثمّ استأنف الأستاذ سائلا: والآن فما فِعْلُ أفعال القلوب فيكم وفي الجملة؟

أجاب صالحٌ: قد تعدّت فينا إلى شَغاف قلوبنا. وأجابت نجاحٌ: وتعدّت في الجملة إلى مفعولين أو إلى ما يقوم مقامهما.

وقال الّذي كان يستبطئ الحصّة ويستثقلها:” سيّدي قد عطفتَ قلوبنا على درس اللّغة كما لم تَفعَلْ من قَبلُ وإنّك لنِطاسيٌّ داويتَ قلوبَنا وَعالجت جُمَلَنا وسُسْتَ يقينَنا وظنّنا فزدنا من نحو القلوب هذا.

– نحو القلوب !! سأفعل أيّها الأحبّة ما وسعني الجهدُ.

وخلا إلى نفسه متأمّلا. وذكر قولا للجاحظ كان قرأه في حيوانه:” إنّ من أعون الأسباب على تعلّم اللّغة هو فرط الحاجة إلى ذلك، وعلى قدر الضّرورة إليها في المعاملة يكون البلوغ فيها والّتقصير عنها”. ومرّت أمام ناظريه لطائفُ في أهل العبارة وأهل الإشارة للقشيري…

لا تعليقات

اترك رد