رسالة المجتمع البريطاني إلى رئيسة الوزراء


 

ليس مَن ينكر أنّ زعيم حزب المحافظين في المملكة المتحدة ديفيد كاميرون فشل فشلاً ذريعاً في رهانه على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي حيث تفوّق التصويت بالخروج بنسبة 51.9 في المائة. وكان من نتائج تلك الهزيمة استقالة رئيس الوزراء. وما كان ديفيد كاميرون آنذاك مضطرا إلى الدعوة إلى مثل ذاك الاستفتاء المثير للجدل والذي حرص كلُّ مَن سبقه على تجنّبه من باب الحكمة والحيطة خشية العواقب، ومن هؤلاء رئيس الوزراء السابق توني بلير.

لكنّ شعور ديفيد كاميرون المفرط بالثقة حثّه على المغامرة. وفي اللعبة السياسية، لا مفرّ من الحكمة والديبلوماسية وبُعْد النظر وتأمّل كلّ النتائج المحتملة في كلِّ قرار، ما بالك إن تعلّق الأمر ب “كُن أو لا تكون” في المجتمع الأوربي والسوق الأوربية المشتركة ومصير دولة عظمى في حجم المملكة المتحدة. والرهان يبقى مجرّد رهان، وفيه قد يكرم المرء أو يهان. وهكذا دفع الرجل ثمناً باهظا لقراره الجريء. ونتيجة ذلك الخطأ، فقدت بريطانيا عضويتها ومكانتها في الاتحاد الأوروبي وفقَدَ رئيس الوزراء البريطاني الشاب والطموح كاميرون وظيفته. فخلفته زميلته في الحزب المحافظ تريزا ماي.

ولم تكن تريزا ماي أحسن حظّاً من ديفيد كاميرون. فاختيارها لمنصب رئاسة الوزراء بدا مثيراً للجدل. إذ كان من المفروض أن يتولى هذا المنصب أحد رواد الحملة الداعية إلى خروج بريطانيا من الاتحاد من أمثال بوريس جونسون ونايجل فريج. لكنّ هؤلاء اعتذروا وأفلتوا من ذلك، بلا شك لترقّبهم صعوبة مهمة التفاوض مع الشريك الأوربي وثقل مسؤولية قيادة بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي من غير نتائج سلبية.

وإذا بتريزا ماي تتولى هذه المهمة وهي مَن دافعت طويلاً عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي وصوتت على ذلك، وهو ما يتعارض مع مبادئها. ومها كان، فقد شاءت الصدف أن يختار المحافظون تريزا ماي لأداء هذه المهمة العظيمة، وكان من الضروري المضي إلى الأمام ومواجهة الواقع. وهذا الواقع بدا صعبا منذ البداية. فمنذ استلامها الحكم، لم تنعم بالراحة في هذا المنصب المتطلّب. ولم تسلم مواقفُها وقراراتها من المعارضة والنقد. فقررت في نهاية الأمر الدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانية تسعى من خلالها للحصول على الغالبية المطلقة في البرلمان، وهو ما من شأنه أن يمنحها سلطة أوسع ويسمح لها بفرض قراراتها بغير مشقة، ويصدّ الأبواب في وجه معارضيها. وكأنّ التاريخ يعيد نفسه. فتريزا ماي، مثل رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، بدت واثقة من نفسها وتوقّعت فوزاً ساحقاً بهذه الانتخابات وحصد الأغلبية المطلقة.

وتهبّ الرياح بما لا تشتهي السفن. فها هي نتائج الانتخابات البرلمانية البريطانية تخيّب أملها. فقد أجمع المتتبعون على فشلها في رهانها، حيث اكتفى حزبها بالفوز ب 318 صوت. يلي ذلك المنافس التقليدي حزب العمال الفائز بسبة 262. وهذا الفوز يعدّ خسارة وكيف لا وحزب المحافظين كان في أفضل حال في البرلمان السابق ب 330 مقعد ساعات قبل ظهور هذه النتائج؟! وها هو حزب العمال بزعامة جيريمي كوربين يحقق تقدما ساحقا لم يكن في الحسبان. فيذكي فوزه نار المنافسة بين المحافظين والعمال من جديد بعد انفراد الحزب المحافظ بالريادة من غير منازع طويلا.

ورغم هذا الأثر العظيم، ها هي عاصمة الضباب تستفيق في اليوم الموالي للاقتراع في أجواء عادية وكأنه لم يحدث شيئا. فها هم سكان المدينة يخرجون للعمل أو لقضاء حاجاتهم الأخرى في صمتهم المعتاد – وهو صمت شهدته أحياء المدينة في يوم الاقتراع وقبله – والجميع يبدو هادئا، منشغلا بشؤونه الخاصة. ولا ترى أحدا مهتما بمطالعة الأخبار السياسية ومعرفة تفاصيل خبر الساعة في بريطانيا، ولا ترى أحدا يثير موضوع الاقتراع أو يخوض في نتائجه وانعكاساته رغم أهميته. ولا ترى أحدا يدافع عن هذا أو ينتقد ذاك. وكأن الاقتراع وقع في بلاد أخرى غير بريطانيا ولا يهم الشأن البريطاني. هكذا هو البريطاني دائما لا يتحدث عن السياسة ولا يخوض في المواضيع المثيرة للجدل، ويحتفظ برأيه لنفسه، ويحيا في صمت ويتخذ قراراته في صمت. وفي هذا الصمت العجيب، اتخذ البريطاني قراره بإيقاف رئيسة الوزراء تريزا ماي عند حدّها وحرمانها من الفوز بالأغلبية المطلقة، وتجريدها من بعض المقاعد في البرلمان، وفرض حكومة الأقلية عليها.

ستكون لهذه الهزيمة بلا ريب انعكاسات هامة مستقبلا. صحيح أن حزب المحافظين لم يفقد الكثير من المقاعد في البرلمان. وصحيح أنه احتفظ بالصدارة. لكن صدى هذه الهزيمة سيتردد طويلا ة بين أسوار البرلمان وفي أرجاء المملكة المتحدة. وفي الأخير، قد يقنِع رئيسة الوزراء المنهزمة في هذا الرهان بالانسحاب وترك المجال لشخص آخر، يحظى بأكثر مصداقية وثقة في المجتمع البريطاني، يقي المحافظين، في مثل هذه الظروف، شرّ التعثر والفشل أمام حزب العمال الصاعد والذي يبدو اليوم في أفضل حال للعودة إلى الواجهة والمواجهة واستعادة الريادة مستفيدا من فشل المحافظين المتكرر في رهاناتهم حديثاً.

وليس من شك في أنَّ رسالة المجتمع البريطاني إلى رئيسة الوزراء واضحة وشديدة اللهجة وهي أن المجتمع المدني لن يمنحها رخصة للتصرف كما تشاء، واتخاذ القرارات التي تشاء، والسير ببريطانيا في أي اتجاه تشاء، دون استشارة ممثلي المجتمع وموافقة الأغلبية، ولن يرضى بأي سلطة مطلقة في بريطانيا العظمى المعروفة منذ قديم الزمان بتقديس مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية.

لا تعليقات

اترك رد