توقف عن طاعة العجوز


 

شغل تفكيري لسنين طويلة المنظر الذي كان يصادفني كل يوم و أنا أقطع طريقي الى المدرسة سيراً على الأقدام في سنيّ طفولتي . فصيل من المشاة العسكريين يجبرهم عريف الفصيل على الهرولة عراة الصدر في ذلك الشتاء البارد من المعسكر القريب الى أطراف الحي ثم يعود بهم بعد أن ينهكهم ، و كان يصرخ بهم بين الحين و الآخر: تعبانين ؟ فيجيبون بصوت واحد : حديد ! مع أن التعب أخذ منهم مأخذا . و إذا ما تراخى أحدهم أو ظهر التعب عليه مدّه العريف على الأرض و أمره بالزحف على بطنه حتى يدمي جلده .

السؤال الذي أرقني كان بسيطا جدا : لم لا يتوقف هؤلاء عن طاعته و لم لا يستطيع عشرة جنود أن يمدوا عريفهم على الأرض و يجبروه على الزحف ؟ هذا التساؤل أجد اليوم ما يشبهه و أنا أقرأ للكاتب الامريكي جين شارب ” من الدكتاتورية الى الديمقراطية ” الكتاب الذي ألهم الكثير من الثورات السلمية حول العالم و بعضها في منطقتنا العربية (و لا نناقش هنا نتائجها) حيث ينقل لنا “شارب” عن الكاتب الصيني “يو لي زي” اسطورة من القرن الرابع عشر تتناول الخدع التي يستخدمها الحكام المستبدّون في اخضاع شعوبهم بدل التعامل معهم وفق المبادىء الأخلاقية ، الرواية تدور حول رجل عجوز كان يعيش في ولاية تشو الإقطاعية في الصين ، وقد استطاع هذا الرجل البقاء على قيد الحياة من خلال تطويعه لعدد من القرود لخدمته ، وكان أهالي تشو يسمونه “جو غونغ” أي سيد القرود ، كان هذا العجوز يجمع القردة كل صباح في ساحته ويأمر أكبرها أن يقودها إلى الجبال لجمع الفاكهة من الأجمة والأشجار ، وكان سيد القرود يجبر قردته على أن يقدم كل قرد منهم عشر ما جمع إليه، وكان يعاقب كل قرد يتخلف عن ذلك بجلده دون رحمه ، كانت معاناة القرود عظيمة ولكنها لم تجرؤ على الشكوى، وفي يوم من الأيام سأل قرد صغير القرود الآخرين قائلا: هل زرع العجوز جميع أشجار الفاكهة والأجمة ؟ فأجابوه : لا ، إنها تنمو لوحدها ، فتساءل قائلا : ألا نستطيع أن نأخذ الفاكهة دون إذن العجوز!؟ فأجابوه: “نعم نستطيع” فقال: لماذا إذا نعتمد عليه ؟ لم علينا أن نخدمه ؟ فهمت القرود ما كان يرمي إليه القرد الصغير و في الليل وبعد أن آوى العجوز إلى فراشه و غط في نوم عميق حطمت القردة قضبان أقفاصها و استولت على الفاكهة التي كان العجوز قد خزنها ، وأخذتها إلى الغابة و لم تعد إلى العجوز بعد ذلك أبدا، وفي النهاية مات العجوز من الجوع .

هذه الاسطورة الصينية من القرن الرابع عشر تجيب على تساؤلي حول فصيل المشاة و عريفه فالموضوع اذن يتعلق بخدعة يقوم بها المتسلطون متى ما فطن الناس لها قضوا عليهم دون أسلحة و هذا ما فعله غاندي أيضا و غيره من دعاة المقاومة السلمية ، ليس عليك أن تقاتل ، اقطع مصادر قوة العجوز ينتهي امره ، لكن عليك أولا أن تعرف ما هي مصادر القوة التي ترتكز عليها الخدعة اذ ان لكل بلد ضروفه الخاصة ، الاجتماعية و الاقتصادية التي يدرسها العجوز بعناية ليبني عليها خطته ، بعضهم يعتمد في مصادر قوته على الأيمان : يوحي لشعبه أن طاعته واجبة و أن عصيانه خطيئة و يروج لهذا الفهم أشخاص و مجاميع و مؤسسات تنشأ و تنمو على فتات موائده و بعضهم يصدق الخدعة فيصبح ملكياً أكثر من الملك ذاته ناهيك عن مبدأ الثواب و العقاب ، الثواب على الطاعة و العقاب على العصيان .

في رواية “زي” يعتمد مصدر قوة العجوز على الأيدي العاملة التي تمده بالانتاج و هذه القوة تحرك في عالم اليوم المصانع و المزارع التي ينهار اقتصاد البلد بتوقفها فيفر العجوز أو يموت لكن هناك عوامل أخرى يتمكن معها العجوز من تغيير خطتة فسيد القرود في الرواية يموت من الجوع لأنه فقد الأيدي العاملة التي تطعمه لكن الوضع يختلف كثيرا عندما يستطيع العجوز أن يعيش عشراً و عشرين و ثلاثين سنة غير آبه بهذه القوة البشرية حيث معامله و مصانعه متوقفة أصلا و لا تمثل أي رقم في مدخولاته الاقتصادية لإمتلاكه دجاجة تبيض ذهبا أو بئراً يفيض نفطاً يغنيه عن القرود و ضجيجها لكن في كل الأحوال ما أن فهمت الخدعة توقف عن طاعة العجوز فحسب ينتهي أمره فمصادر القوة ليست اقتصادية فقط كما تقدم .

شارك
المقال السابقيوسف شاهين وتحفته الفنية
المقال التالىكلمة ونص: في بلدي اسيوط
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد