الشعرالعربي في العصر الاموي وامارته – ج2


 

كان من الطبيعي ان تتوسع وتزداد الفنون الشعرية في هذا العصر بعد الانكماش الذي لحقها في العصر الذي قبله فقد طرق الشعراء في هذا العصر ابوابا فنية كثيرة في الشعر منها ما كانت موجودة في الجاهلية والاسلام فوسعوها واكثروا فيها . ومنها ما هو محدث وجديد ابتكروه تبعا لظروف الحياة وسعتها ومتطلباتها ومنها ما كان له اثر في الجاهلية و الاسلام فا ضا فوا فيه حتى جعلوه غرضا مستقلا قائما بذاته فمن الفنون التي اتسعت في هذا العصر:

* الفخر والمدح : فقد توسعت فنون شعر الفخر في هذا العصر كثيرا لوجود التحزب واشتداد المنافسة بين الاحزاب من جهة وبين التعصب القبلي من جهة اخرى ايضا فتفاخر الشعراء كل بقبيلته او حزبه او مذهبه كما تفاخروا في الشجاعة والكرم وكثرة الاموال والاولاد ويتميز الفخر هذه المرة بطابعه الاجتماعي الجماعي وسلوكه جماعية الفخر وابتعاده عن الفردية ومن اشهر شعراء الفخر :

جرير والفرزدق والاخطل وقيس الرقيات ومن شعر الاخير هذه الابيات:

خلق من بني كنانة حولي
بفلسطين يسرعون الركوبا

من رجال تفنى الرجال وخيل
رجم بالقنا تسد ا لغيوبا

وان قوم الفتى هم الكنز في
دنياه والحال تسرع التقليبا

* اما في المدح فقد بالغ الشعراء متأثرين بالتيارات السياسية والتحزب و التعصب القبلي او الطمع والتكسب في الشعر لدى بعض الشعراء وخاصة شعراء خاصة الخلفاء وامراء الولايات الجديدة.

* والمديح اما حزبيا فيعبر عن رأي و عاطفة الشاعر بصدق اتجاه ما يحمل من افكار ومفاهيم او قبليا مدافعة عن عصبيته وقبيلته وفي كل تنبع العاطفة فيه صادقة تعبر عما يجيش في نفس الشاعر اتجاه الممدوح او من احب ومن ذلك قول الشاعر الكميت الاسدي في مدح بني هاشم يقول:-

بني هاشم رهط النبي فانني
بهم ولهم ارضى مرارا واغضب
فمالي الا ال احمد شيعة
ومالي الا مذهب الحق مذهب

* وربما كان المدح عن طمع وتكسب فيكون الكذب والمخاتلة الشعرية واضحة فيه وغير معبر عن عاطفة صادقة خالصة ويكون التكلف ظاهرا فيه ومنه قول الفرزدق البصري مادحا الخليفة عبد الملك بن مروان:-

ارى الثقلين الجن والانس اصبحا
يمدان اعناقا اليك تقرب
وما منهما الا يرجى كرامة
بكفيك او يخشى العقاب فيهرب
وما دون كفيك انتهاء لراغب
ولا لمناه من ورائك مذهب

* اما الهجاء فهو ايضا فن توسع كثيرا في هذا العصر وقد تشعب عدة شعب او فنون ترفد كل فن روافد اخرى فكان الهجاء السياسي والهجاء المذهبي و الهجاء الفرقي الطائفي والهجاء التعصبي القبلي ومن الهجاء قول الاخطل التغلبي النصراني في هجاء الانصار :

ذهبت قريش بالمكارم والعلى
واللؤم تحت عمائم الانصار
فذروا المعالي لستموا من اهلها
وخذوا مساحيكم بني النجار

* ومنه الصراع القبلي الذي ادى الى انقسام العرب الى يمانية وعدنانية وفيه يقول الشاعر الطرماح بن الحكيم في هجاء قبائل تميم:

تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا
ولو سلكت سبل المكارم ضلت
ولو ان برغوثا على ظهر نملة
يكر على صفي تميم لولت

* ومنه الهجاء الفردي الذي يظهر فيه العداء الشخصي للشاعر او المنافسة بينهم وقد ظهر لدى فحول الشعراء مثل الفرزدق وجرير و الاخطل ويتميز بتجاوزه حدود الهجاء التي كانت معروفة من قبل وربما تجاوز الاداب الاجتماعية التي كانت سائدة حيث يهجو الشاعر غريمه باقذع الكلمات واخسها مما لم تألفه العرب من ذي قبل وبذلك ظهر فن جديد سمي ( النقائض) . من ذلك هجاء جرير للفرزدق :

خلق الفرزدق سوءة في مالك
ولخلف ضبة كان شر غلام
مهلا فرزدق ان قومك فيهموا
خورالقلوب وخفة الاحلام
كان العنان على ابيك محرما
والكير كان عليه غير حرام
مازلت تسعى في خيالك سادرا
حتى التبست بعرتي وعرامي

* واما الرثاء بقي على ما هو عليه في الجاهلية والاسلام غير موسع الا انه ظهر فيه فن يكاد يكون جديدا هو رثاء الخلفاء والامراء والقادة واؤلي الشأن ولم يكن صادق العاطفة بل في اكثر الاحيان كان تقليدا طمعا في التكسب والمال الا ان بعضه ذو عاطفة صادقة فياضة ,عندما يكون المرثي ذا علاقة بالشاعر كالقرابة والصداقة فتشعر بحراة نفسه المتاثرة او المحزونة على فقد المرثي .
ومن اشهر شعراء الرثاء : الاخطل وجرير وليلى الاخيلية التي تقول في رثاء حبيبها المتوفي :-

لعمرك ما الموت عار على الفتى
اذا لم تصبه في الحياة المعاير
وما احد حي وان عاش سالما
باخلد ممن غيبته المقابر

* والوصف رغم حدوث تطور كبير في كل مجالات الحياة فقد ظل الشاعر الاموي يصف ما وصفه شعراء الجاهلية مثل وصف الناقة والضعن والاطلال ومجالس الخمر ولم يأتوا بجديد الا انه وجدت ومضات وصفية جميلة لدى بعض الشعراء ومن الشعراء الذين اشتهروا بالوصف : ذو الرمة والاخطل يقول الاخطل في وصف الخمرة :-

فصبوا عقارا في اناء كأنها
اذا لمحوها جذوة تتآكل
تدب د بيبا في العظام كانه
دبيب نمال من نقى يتهيل

* ووجدت اغراض او فنون مبتكرة او لها اثر جاهلي فتوسع الشعراء فيها بحيث ا صبحت ا غراضا جديد ة منها الغزل .

* فالغزل فن من الفنون الشعرية القديمة قدم الشعر و فيه تعبير عما يعتمل في عاطفة الشاعر الشخصية وما يختلج في نفسه وقلبه من هواجس ولواعج حب وشوق ووجد ووله وغرام يبثها لحبيبته .راجع كتابي (الغزل في الشعرالعربي ) .

* وقد انكمش في صدر الاسلام واصابه الضعف والوهن ثم بعث من جديد في العصر الاموي بصورة واسعة حتى ان بعض الشعراء لم يكن لهم شعر الا في الغزل وهم امتداد لعشاق العرب الجاهليين ويتبين في شعر الغزل ثلاثة اتجاهات واسعة ومختلفة احدها عن الاخر تبعا لطبيعة ونفسية الشاعر ومكانته وشاعريته .

( يتبــــــــــــــــــع )

لا تعليقات

اترك رد