أماكن الظلام في المجتمعات الخليجية


 

تمتاز دول الخليج العربي بأطر سياسية واجتماعية متشابهة وثقافات دينية متقاربة وتقاليد قبلية لا تختلف كثيرا بين دولة وأخرى، الا ان التغيرات التى طالت تلك المجتمعات بعد اكتشاف النفط، وخصوصا المتغيرات السياسية والاجتماعية، ألقت بظلالها على محددات الدين والثقافة وأنظمة الحكم القبلية في تشويه نمط التعايش والعلاقات الداخلية والخارجية.

لكن، ماذا كان موقفنا نحن شعوب تلك الدول أمام هذه المتغيرات؟. وهل ساهمنا فعلا في دفع عمليات التغيير الي الأفضل لنا ولمجتمعاتنا؟. أم استفدنا من الوضع القائم والمشوب بالفساد والشللية والتخلف وسرقة أموال الأجيال؟!!

لا شك ان الإجابة على هذه الأسئلة لن يكون صعبا نظرا لدقة التقارير الدولية عن وضع مجتمعاتنا الخليجية واستمرارها في البقاء بأسفل مؤشرات التنمية والشفافية وغياب حقوق الانسان وحريات التعبير. وهذه النتائج طبعا لا يتحمل وزرها فقط الشعوب الخليجية، فمن بينها من يسعى الي التغيير ومن يؤمن بالحرية ومن يدافع عن الانسان وقيم الحداثة والديمقراطية وحتى العلمانية ولكنه مكبل بقيود سياسية واجتماعية تتخذ من قيم القبلية وطاعة أولى الأمر مرتكزا في الدفاع عن القمع والكبت السياسي.

في الخليج العربي، لم تستفد الأنظمة القبلية والمشيخية من التطورات الاقتصادية في بناء دول مدنية حديثة ذات اقتصاديات منتجة ومؤثرة وتعليم نقدي متقدم ودساتير تحمل هويات كونية بقدر ما كان همها في إطعام وتلبيس شعوبها بطريقة ريعية وتوزيع ثروات النفط على الشعوب بنظام الراعي والرعية بغياب شبه تام لأسس المواطنة والحريات والمساواة والديمقراطية..فما هو متواجد من شبه دساتير وتعاقد اجتماعي يقوم في جله على روابط الدين وحكم أمير القبيلة وليس الحكم الرشيد وتداول السلطة والديمقراطية الليبرالية، رغم أن تلك الدول فارقت عصر القبلية بشكلها القديم الي المباني الفارهة والتكنولوجيا المتطورة، الا ان علاقات الانتاج القبلية والدينية والاقتصادية الفكرية والمتمثلة في الإغارة والقوة والتعصب للظالم وأولى القربى لا زالت هي المهيمنة سياسيا واجتماعيا على البنى المجتمعية والعقل الخليجي.. وهذا كما ذكرت سابقا لا يتحمل وزره نحن الشعوب فقط وايضا ليس الأنظمة الخليجية، بل هو جريمة مشتركة بيننا كشعوب خضعت واستكانت وبين حكومات استشعرت الضعف فينا فكانت قوية فسادت.

هذا الخلل الخليجي في التقدم والنهضة، ولا اقصد الجوانب المادية فنحن متفوقون بها الي درجة التخمة، فنحن أولى الشعوب في بناء اكبر ناطحة سحاب واكبر برج وافخم سكة حديد وأجمل مبنى وأغلى ماعز وغيرها من التفوقات الشكلية. ولكن الخلل الحقيقي يكمن في أماكن ظلت تحت الظلام لم يطالها التجديد والتغيير والإحياء، أماكن طالتها الدوغمائية وتابوهات التحريم، أماكن ظلت خطوطا حمراء حتى كبرت وفقست جنودا ومؤسسات تدافع عنها، أماكن أعطت لمؤسسات الحكم الدعم اللازم للبقاء دون ديمقراطية ودون حريات.. وأقصد بذلك التعليم والدين والتقاليد، فهذا الثالوث ظل بعيدا عن التغيير وعصيا عن التجديد، فكل قرب منه يؤدى الي النبذ وكل نقد يؤدى الي الموت.

فمن ناحية التعليم، لم يرقي النظام التعليمي والدراسي لدينا الي التعليم المنهجي النظامي النقدي، فمازالت المناهج تعتمد على الحفظ والتلقين والطاعة وهو ما افرز نتائج مخيبة للآمال لا ترقي الي تخريج اجيال يعتمد عليهم في التنمية والبناء والاختراع..ومع كل الانفاق المادي على البنى التعليمية وإنشاء مباني فخمة للجامعات إلا اننا مازلنا في اسفل التقييم العالمي للجامعات المتفوقة علميا وفكريا وهذا يرجع الي اسباب عدة منها خوف الحكومات من التعليم المتقدم والقائم على النقد والمشاركة والحريات وهو ما يهدد نمط الحكم في الخليج ويضعنا امام اشكالية المواطن الحر.. فالتعليم لم يجنى ثمار التفوق لأسباب تتعلق بعدم ربط مخرجات التعليم بسوق العمل والاحتياجات الفعلية للتخصصات المطلوبة فقط، وايضا لغياب المختصين بالحقل التربوي وكتابة المناهج، بالاضافة الي التدخلات الحكومية في ربط مسار التعليم بما يخدم توجهات الدولة الدينية والسياسية وتغييب فرص الابداع والتفوق. لقد أهملت الحكومات الخليجية تطوير التعليم بشكل كبير واعتمدت على الدين والفقه والتاريخ بدون أي تطوير، كما تم الي اليوم تحريم الفلسفة وتحريم تدريس نظرية التطور والمادية الجدلية ومقارنة الأديان مما ادي الي تخريج اجيال احادية التوجه ومؤدلجة دينيا وهو ما ساهم في تخريج غالبية من المتطرفين اصبحوا فيما بعد من عتاة الارهابيين.

ومن ناحية الدين، كان للتدين المجتمعي والسياسي والتعليمي في منطقة الخليج دورا سلبيا، اذ تحول بفعل التحالف مع الانظمة والحكام من حالة فردية الي حالة تفرض شروطها وثقافتها على الأفراد والمجتمع، وبالتالي خلق هذا النوع من الايمان النمطية والقولبة والنمذجة التى تجعل الشعوب نسخا مكررة وليس شعوبا حرة التفكير والارادة، ولعل غياب مشاريع الاصلاح الديني في منطقة الخليج قد أثر بشكل كبير على بقاء الشعوب غائبة عن الفعل الحضاري الحديث وحاضرة بقوة في الطائفية والمذهبية كما يحدث في البحرين وبعض مناطق المملكة السعودية.

وحتى نصل الي درجة من وضع الحلول الجذرية، لابد أن نقول بأن ما تم السكوت عنه لمدة طويلة بأن الدين، يتحول بفعل السياسة وبفعل رجال الدين والمؤسسات الدينية إلى علة للتخلف والركود العقلي والفكري ينتج عنه بالضرورة إضطهاد فكري وديني وعرقي بفعل التشرنق أو التكلس الذي يصيب نصوص هذه الأديان هو حقيقة تاريخية. وهنا يكمن السر في تراجع الشعوب بعد إعتناقها لأي دين بفترة تطول أو تقصر، لكنها لامحالة من إصابتها بالتخلف. لأنها تفقد ديناميكيتها فلا تجد من يقوم بتعديل نصوصها أو تغييرها أو حتى إلغائها، وما الخمول والإنحطاط الذي يصيب العقل الديني نتيجة تأويل النصوص الدينية دون إعادة النظر فيها بشكل جدي، إلا نتيجة منطقية لتناول المريض لنفس الدواء. وكنتيجة طبيعية لثبات النصوص الدينية فإنها تنقل عدوى ثباتها إلى العقل الديني ليناله الجمود ثم لا يلبث أن يتحول إلى عقل محنط وفي أحسن الأحوال إلى كمبيوتر آلي يقوم بتلقي البرامج المقدمة له وإكتنازها دون أدنى إعتراض، ومن ثم الإشتغال وتقديم النتائج وفق تلك المعطيات.

وفي مسألة العادات والتقاليد، فقد عانت مجتمعات الخليج العربي من هيمنة غير طبيعية ولا مسبوقة لمنظومة التقاليد القبلية والعادات البالية التى ظلت تحكم مجتمعاتهم وقراهم وقبائلهم لمدة طويلة دون المقدرة على تجاوز سلطتها او التخفيف من حدتها. فعلى سبيل المثال مازالت المرأة الخليجية تعاني، ليس فقط من قوانين الأحوال الشخصية والنابعة من الشريعة الاسلامية، وإنما ايضا تعاني من ثقافة العيب، فهي قد تقتل بسبب الشرف وقد تتزوج صغيرة او رغما عنها وقد تمنع من العمل او السفر او قيادة السيارة او العمل بالوظائف القيادية العليا بسبب منظومة السلطة الأبوية النابعة من النظام البطريركي. كما وأن هيمنة ثقافة القبلية والتقاليد لا تقتصر فقط على النساء بل تطال الرجال ايضا، فالشاب عليه مسؤوليات مراقبة أمه وأخواته بشكل يتجاوز الأخلاق والقوانين، كما وانه حر في أن يفعل ما يشاء الي درجة الاغتصاب دون أي مسائلة قانونية أو أخلاقية. كما وأن مفهوم الانتصار للظالم، فقط لانه قريب للمجرم، هي ثقافة ومفهوم دارج في الخليج أدى الي شيوع القهر والجرائم .. وكم تحمل مجتمعات الخليج العربي قصص مهولة عن زنا المحارم وقتل البنات والاعتداء على الأطفال ولكن يتم التستر عليها بحجة المحافظة على العادات والتقاليد.

إن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أي مجتمع مرتبطة بدرجة التطور المعرفي والفلسفي والعلمي للشعب، ودرجة الانفكاك من الهيمنة الدينية ومن سلطة العادات والتقاليد البالية. فمتى ما كان الشعب مؤدلجا ويحمل هوية منغلقة على الذات والدين والتقاليد، فإنه لن يستطيع الابتكار والتفوق ولا حتى بمقدوره ان يتعايش بشكل صحي وأخلاقي.

2 تعليقات

  1. اتفق معك في كثير من النقاط ولكن عزيزي بالنسبة لنقطة الدين فانا اعتقد واجزم ان الخلل ليس في الدين وتعاليمه بل في علماءه الحاليين الذين استغلوا الدين كسلعة للتجارة والمرابحة به فهم يغيروا جلدهم حسب اهواء السلطان
    فالتصوير والصورة سابقا كانت من المحرمات بل من المهلكات
    واليوم انظر للعلماء والشيوخ والدعاة ( كما يعتبرون انفسهم)
    على مواقع التواصل ..
    المشكلة باعتقادي وبشكل اساسي في التعليم كما ذكرت باحدى نقاطك فالتعليم ركيك في كل الدول العربية
    مقالك يحتاج لجلسة نقاش طويلة ولو الكترونيا
    تحياتي .

  2. أ/عبد العزيز
    اولا تهانى القلبيه لحضرتك على هذا المقال الجريئ وقد قلت لك سابقاً ارجو ان لايكون صادم
    وقد تحققت نبؤتى
    ثانيا من حيث الطرحارى انك اوجزت كثيرا من حيث سرد الاطروحات وهذا يحسب لك كمقال
    ثالثا وهذا الاهم من وجهه نظرى
    احمد الله انك كويتى ولست بدوله جاره لك والا كانت العواقب وخيمه فالمجتمع القبلى لايزال الطريق امامه طويلا لكى ينفض عن كتفه عبائه القبليه ويرتدي حُله الشعب وانا مؤيدك فى طرحك وافكارك التنويريه وياصديقي لا تتراجع عن معتركك
    تحياتى لقلمك الجرئ

اترك رد