عدن تغرق في ظلام دامس

 

ثمة عناصر قــذرة من ذوي النفوس المريضة خلقت للأذى والدمار والتضليل وتقطيع أوصال المجتمع وتعميم الفوضى والخراب واستحلال أموال الناس وتصعيد النعرات العصبوية في بيئة مدنية متسامحة. إنهم ينشرون الرذائل والمسالب والتفلت والانهيار ويدمرون الإنسان والبُنــى والمؤسسات والانتظام العام والمخزون الفكري والثقافي والروحي لمدينة عدن ويرسخون القبح والبلطجة والفساد والعنف والاقتتال والإرهاب والصلافة والدمامة .

فعــدن النظيفة والمهـــذبة والمتحضــرة تعيش اليوم في دوامة من العــذاب الممنهــج مطوقة بالعسرة وشدة الحال، وصار عنوانها الصارخ القــذارة والفوضــى والفســاد والأمراض المعدية والتلوث البيئي والسمعي والبصري والأخلاقي ، أينما تتجــه تخنقك القاذورات والمجاري النتنة التي تنساب على شكل جــداول في المماشي والأسواق والأحياء التجارية العتيقـــــــة .

أصبحت عــدن مدينة منكوبة تغرق في ظلام دامس وتموت من العطش والفاقة والكوليرا وحرارة الصيف اللاهبة وتُطمــر بالقاذورات وتسرح وتمرح في جنباتها القطــط والفئران والكلاب الضالة والحشرات الخطيرة والمجانين وشــاذي الآفاق ، تتعرض للنهب والتخريب المتعمــد ولأعمال آثمة فيها قسوة وخبــث وانتقام . لم تعــد عدن مدينة هادئة وطاهرة بل ساحة للنفايات والمليشيات والتوتر والفوضى والاقتتال والثأر والتفجيرات والاغتيالات والتقطعات ، لم تعــد بمستوى القرية , فالقرية اليوم تنعم بهــدوء نسبي وماء ومصابيح وخدمات وهواء نقي وتساكن اجتماعي والحمير والبقر والبغال والحيوانات ترتع في المزارع والحقول الواسعة .

أما الحمير والأبقار والأغنام والحيوانات في مدينة عدن تتنزه بحرية في الأسواق والشوارع الرئيسية والفرعية وفي الجادات والحدائق العامة , تأكل حتى البطــر من الفضلات والقاذورات المكــدسة في كل الأرجاء , والحمير لها حب مميز عنـــــــد رهــط من المطحونين لأنها حلت محل المواصلات العصرية فهي تنقل الماء والغاز والأرز والطحين والسلع والمتطلبات الحياتية إلى المنازل المتسلقة سلسلة جبــــــل شمسان ، وتنقل احتياجات الناس إلى مناطق قصية في مدينة عــدن , فهي سريعة الحركة في الأسواق والأحياء والأزقة والممرات الضيقة لا يعترضها رجال المرور ولا قطاع الطرق واللصوص والسُــراق الذين يبتزون أصحاب الحافلات والبضائع بدون وجه حــق .

إننا نعيش حياة مفعمة بالشكوى والألم ، نعيش حياة مدهشــة بلا نوم ولا كهرباء ولا ماء ولا سكينة إلى درجة من القــرف والغثيان تنعدم فيها تماماً البهجة والسرور .

لقــد انهارت سلطة الدولة والأنظمة والقوانين فنعيش بلا هُــدى قانوننا الفوضى وكل قوي يفرض القانون الذي يناسبه ، ولا وجود للبلدية والنظام والقانون في الأسواق ، فلا تستطيع المرور أو التسوق من شــدة الزحام وافتراش أصحاب البضائع كُل حسب هواه في قلب وحواشي الطرقات والمماشي ,بحيث لم يدعوا موطئ قــدم لمار أو مريض أو مسكين أو امرأة أو رجل أو متسوق ، الكل يبيعون والكل يصرخون ، ولكي تدلف السوق لابد أن تكون صاحب عافيــة وفيــرة للدهف والركل والصــد والدفاع والهجوم واختراق التجمعات ، لابد أن تكون فناناً في الكــر والفــر والهجوم المباغت والوثب والملاكمة والمصارعة ومعرفة فنون السباحة والغوص في عمــق الزحام والخروج المشرف من قلب المعمعة بأقل الخسائر سليم الحواس وغير منتهــكة جيوبك وغير مسروقة محفظة نقودك . وفوق هذا وذاك سترى في الأسواق والطرقات والمطارح العامة رجالاً يمتشقون البنادق الآليــــــــة ويمرون بعجرفة من أمام الناظرين فأقل حركة وأصغر شجار سيؤدي بحيـاة الكثيرين في السوق ، سترى فوضى المرور وعدم الالتزام بقوانين سير المركبات ففي وسط الطرقات تتوقف العربات بهدوء وتختنق الشوارع بالزحام والفوضى والتفلت المروري .

هنا في قلب مدينة عــدن الجريحة تسمع ضجيج موتورات الكهرباء والماء ونعيق الغربان وصراخ الباعة والمجانين والبلاطجة بكل طبقات الصوت، ضجيج مزعج يشج الرأس شجــاً ، فلا هدوء ولا سكينة , وعند انطفاء الأنوار تنقلب الحياة رأس على عقب وترتفع حرارة الجو ويصير الهواء دبقــاً مسمماً بدخان الموتورات الخانق ,فيرتفع منسوب السكر وضــغط الـــدم وتزداد نبضات القلب وتتنامى أحاسيس الوجع والوحشة والغثيان والتذمر والقنوط , وفي عين الوقت تتسع مساحة العتمة عندما تداهمك الروائح النتنة وتدوس بقدميك في الشوارع القذرة الأوساخ وأكياس القمامة المتقيحة وفضلات الأكل المرمية على قارعة الطريق , وترى بعينيك جبالاً شاهقــة من القاذورات المتراكمة , مرفوقة بمشاهد البؤس والفقــر والتسول وانهيار القــيم وتســـيد الفوضى والتســفل .

فثمة أوغـــاد من أهل القــوة يتسلون بصــفع مدينة عــدن ويمتصون الدماء ويتفننون في تعذيب المواطنين ويستخدمون أبشــع الوسائل في زلزلة الانتظام العام حيث يقومون بــ: قطع التيار الكهربائي والماء وتوطين الفوضى وإقلاق السكينة العامة وإهمال النظافة وتفجير المجاري النتنة وإشعال الحرائق لكظم أنفاس الناس بالدخان القاتل وتعميم الفساد والرذيلة والاقتتال في الشوارع والعـهــــــر الســـــــياسي .

السفاكون والجلادون يحملون الخبث والمكر لكل ما هو جميل وإنساني في مدينة عدن والتراب الوطني ، يسوقون الأراجيف ويضحكون على الذقون ، ومنغمسون في ترهاتهم لكسر إرادة الناس , إنهم يلهثون خلف الغنائم وشهوة البــطن والفرج في فضـــاء الجــور والفوضى والشـــح والفساد والجهل واستصغار الناس والترفع عليهم .

إن سياسة القهر والإذلال وقطع التيار الكهربائي وتموينات المياه وعدم استلام الرواتب وجرف الخيرات وإغراق مدينة عدن في بحر من الظلام والقاذورات سياسة عمياء لن تطيل من عمــر سلاطين الجهل والجور والفساد .

(( اغــفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية ، بعضكم سيقول بذيئة ،لا بأس ، أروني موقفاً أكــثر بذاءة مما نحن فيه )) ” الشاعر / مظــــفر النواب ” .

لا تعليقات

اترك رد