الوطن والتاريخ .. مداخلات عن احوال اهل العراق

 

الفوضى

إن المراقب والمتتبع عن بعد… يمكن أن يتخيّل حجم الفوضى والمأساة التي حلت بهذا البلد، لقد إبتليت هذه الأمة غدرا بأفكار رجعية متخلفة تغلغت إلى أعماق العقول فغيبت الحقائق عنها وحجرتها، حتى أصبح الفرد العراقي في حيرة من أمره يؤيد من …؟

لقد إبتعدنا كثيرا ودخلنا في متاهة، إبتعدنا عن العالم، فعندما غاب دعاة الحق بدأ التناحر على كراسي الحكم فضاعت الرعية، وبرزت في الأفق أفكار وممارسات شريرة تضاربت مع ثوابت الكثير من المتنورين على إختلاف طوائفهم، حتى صعبت الطريق عليهم في مواكبة العصر، وعندما إستفحل هذا السلوك أجبرنا العالم على إهمالنا مع خُرافاتنا. وأصبحنا لا نجد اليوم من يلتفت إلينا، أو حتى يسمعنا لتقديم البديل الناجع.

وأدخلوا هذا البلد ضمن دول العالم المتراجع عن الزمن والمتخلف في الافكار والسلوك، وأعلنت علنا أمام الملئ إننا لا نصلح ولابد من أن تقوم دول العالم المسيرة في إحتواء اقتصاد العالم اليوم أن يباشروا في إجراء تعديل سريع وجذري لتعديل هذا المسار.

كلنا يعلم إنحراف الهدف بمجيئ هذه الشرذمة ومنذ البداية، بعد أن مد الشعب الآمن يده وبكل أطيافة مساندا التغييرلتحقيق أحلامه بالعيش والتمتع بالحرية والامان إلا أن الذي شاع بانحراف الهدف ….ليس له مثيل… لقد ساد الخراب وفسدت

الذمم وشاعت الفوضى وضاع الأمن وحُلل القتل والأبادة على إختلاف المعتقد.

ثم برز دور العلماء المسيرين والمهيئين مسبقا في نفث السموم لتضيق الخناق أكثر على هذا الشعب في نشر ما يسمى الفوضى الخلاقة…!

السلف

نحن شريحة نعد أنفسنا من جيل متعلم وسلف صالح وعلينا دين إلى الأجيال القادمة، إلا أننا مكبلون الان وبدأ جيلنا ينقرض، وأصبحنا غرباء أمام موجة الغباء التي تستشري هذه الأيام بإسم الدين، وتشعرني بالخجل.

ينبغي على أبنائنا أن يتعلموا أن كسب العلم والمعرفة والعمل والسير مع التطور الحضاري لا يوقفه الدين وشعائره، بل أن دورالدين هو التواصل مع التطور الحضاري…، دوره تقويم وتنظيم للحياة، وفي ضوئه تسن قوانين لحماية البشر من الأفاقين والخارجين عن القانون وهم في تزايد.

لقد تعلمنا من آبائنا ومربينا…، وفي مدارسنا آنذاك الصفات الحميدة في التعامل فيما بيننا والأيمان بالله والتقيد بالثوابت الصحيحة وبإسلوب متحضر، وعلاقتها مع أهل الأجتهاد ، تعلمنا إحترامهم والأستفادة من تعاليمهم لغرض المحافظة على السلوك العام.

ومنذ السنين المبكرة من حياتنا لم نتعلم التفرقة بين الأديان ولا أذكر إنني تأففت من اليهودي أو المسيحي ولا الصابئي أو الأزيدي. كنت لا أشعر بهذه التسميات بشكلها المجرد ووقعها علينا كما يحصل هذه الايام.

لقد كان لإجدادنا ومن ثم آبائنا علاقات حميمة مع الكثير من أبناء هذه الطوائف ثم إنتقلت إلينا وترسخت ثم انعكست فينا روحا في الأنتماء والمواطنة، وتعلمنا التعايش والعمل معا

والتعاون دون تمييز. لم أستطع نعت أحد بالشيعي أو السني أوتسفيه غير المسلم كما يحدث من قباحات هذه الايام.

لم أر الانانية الذاتية أو عنصريات اليوم معهم، بل كان هناك منافسة شريفة سواء كانت في التعليم أوفي العمل. كنا سعداء في التعايش مع بعض ومحاطين بدفء الامان ، ألا أن المتربصين لم يستكينوا فالتعنصر الاثني أو الطائفي ليس وليد الساعة، ولم تغب عن أعيننا تحركاتهم وكيف كانوا ينشرون التفرقة وتقسيم المجتمع على أساس العِرق والدين ونشر الأفكار المتشددة.

نعم… لقد إنتبهنا إلى هذه الممارسات في شبابنا منذ ستينيات القرن الماضي، ولكن ليس بالأنتشار بصلافة هذه الايام. كنت أعتقد آنذاك ولا زلت…، أن التربية البيتية هي الأساس في تأجيج الفكر المتشدد، والبيت الديني هو الاخر المسؤول عن نشر التفرقة وتأجيجها بين أبنائه. أحيانا يبررونها كغاية في حماية ابنائهم من دعاة التشدد والتكفير والابتعاد عنهم وعن كل ما يبدر منهم كتصرف وسلوك مؤذ لكيانهم وإستقرارهم، مما حدى بهذا السلوك ظهور التكتلات الاثنية ضمن المجتمع الواحد. فعندما نحلل ونتبحر في أحداث اليوم، نجدها نتيجة حتمية لممارسات سابقة وقديمة تواكبت مع التغييرالأقتصادي في العالم.

لقد كان الغرض في إدامة عجلة التطور السريع ظهور الحاجة إلى الأستحواذ على الموارد الطبيعية في الدول الغنية، وتوزيع مصادر الطاقة المتوفرة عندهم بين الدول الكبرى، فكان إستغلال هذه الشعوب حتميا وظالما لما تمتلكه أرضهم من موارد مهمة، فأمعنوا مع المنتفعين في داخل البلد في تأجيج الصراعات الداخلية. ففي العراق كان الصراع في أولها على كراسي الحكم وبالتالي تبنوا الصراع الطائفي لإنه أكثر نجاحا والذي مكنهم من الأستحواذ على الكراسي والموارد المتاحة مرة واحدة.

إن كل ما كسبناه منهم بعد مجيئهم هو الشتات. ويريدون منا اليوم أن يكون انتماؤنا للأرض دينيا، وأن يكون ذلك رديفا للمواطنة.

التصحيح

لذلك عندما نريد الخوض في أحداث الساعة، ولدينا القدرة على التحليل والأستنتاج، ينبغي أن لا نكتفي بتشخيص الحالة وتحديد الخلل فقط، بل إستخلاص النتائج وإقتراح حلول مجدية وعملية وقابلة للتنفيذ في المواجهة أوالتصدي لهذا الخلل. وإن نجد الطريقة الفعالة في كشف الحقائق وتصحيح المفاهيم.

الاعلام المبرمج هو الطريق الاصلح والفعال في البداية وبه ستزداد مساحة التغيير بزيادة عدد المصححين، وتشجيع ظهور جيل جديد يقف سدا أمام هذا التيارالمدمر. إننا نحتاج إلى صحوة من نوع آخر… صحوة تصحيح، وثورة فكرية جديدة بالمعنى والتصرف للأنتفاض على المفاهيم التي غيبت العقول.

علينا أن نحترم الأنسانية أولا أذا كنا نبغي السعي إلى التطور وفي كل مجالات الحياة التي بين أيدينا.

إن التصحيح صحوة تحتاج إلى همّة غيارى صادقة وذوي إنتماء إلى المعنى الحقيقي للتواصل والتفاهم والتعاون بيننا وبين الشعوب، يتعاهدون على السير إلى الأمام وبتر رأس الفتنة وإيقاف الاقتتال بين افراد المجتمع وكسح المجرمين ورفع الحيف والظلم عن ابناء العراق. إنه والله السعي الحقيقي المبارك في نشر المحبة و الألفة بين أبنائه.

اليوم نحن بامس الحاجة الى كشف الحقائق الى العالم والى الاجيال القادمة عن ما حصل في الحقبة السابقة من الزمن الغابر والضرر الذي اصاببنا كمنطقة عربية لها إصولها وإرثها وجذورها لا يمكن مسحها بجرة قلم.

الان نحن بحاجة الى كتابنا وعلمائنا للتوجه بروح منطقية في إعادة كتابة التاريخ الحديث وبصياغة جديدة نابعة من المعاناة والتهميش المتعمد لاهل الدار وبغاية كشف حقيقة أصالة هذه الشعوب الى العالم. فلنبدأ من أربعينيات القرن الماضي على الاقل…!

أبان إنطلاق الثورة الصناعية وما تلاها من تغييرات في العالم والاسباب التي أدت الى إستغلال هذه الشعوب للسيطرة على مواردها الطبيعية. وكتابة التاريخ الذي لازم كل المآسي والادوار التعسفية التي مارسوها في حقنا مرحلة مرحلة وبدون توقف.

إننا مطالبون بوضع الحقائق أمام الجيل القادم لكي يتبنوه ويدافعوا عنه وأن لا يبعدهم التطور الحضاري عن خزينهم التأريخي الذي تعلم منه كل العالم، هذا التاريخ سيكون منارة إلى الاجيال القادمة وليقوموا بعدها كمن يصفع كل من يتجاوز على حقوقهم ولكل من يدعي تخلف وتأخر هذه البلدان لاسباب أثنية أو أسباب دينية اوما شابه ذلك.

فهل هذا صعب المنال ونحن نملأ الارض بمفكرينا وعلمائنا موزعين على مختلف المؤسسات الخدمية والجامعات ودور العلم في كل انحاء العالم.

الدولة العصرية

اليوم نحن بحاجة إلى إنشاء دولة عصرية تُؤمن الحريات والأستقرار، وتفرض إحترام القانون، وتحمي بناء الأنسان الجديد الذي يسخّر كل طاقاته الحية لخدمة المجتمع والعالم، ووضع دستور واضح في بنوده لخدمة المجتمع المدني فيه، لا يستثني أحدا ولا على حساب أحد.

دولة عصرية تحيطنا وتحمينا من الافاقين.

لذلك نحتاج أن يكون بيننا من هو بمستوى تطور فكري عال، كي نستطيع التجاوز والتغلب على التفكك ورؤوس التخلف الحالية، ونحن في أمس الحاجة الى القدرة السياسية لقيادة الأمة التي تمكنها من بناء علاقات إستراتيجية مع الأمم الأخرى على أساس المشاركة والتعاون والعيش بسلام.

يجب أن نستفيد من ماضينا لانها تجربة لنا تدفعنا إلى ما يجب أن نحققه في المستقبل. وهذه هي فلسفة الخلق…، الموجود بين أيدينا يسيربخط مستقيم إلى الامام لا نستطيع إيقافه ونحن نسير معه ولا نستطيع التراجع…إذن نحن مجروفون مع التيار لذلك يجب أن نستفيد من ما موجود حولنا وسيتعلم منا الاخرون ليسيروا معنا وهكذا تسير الحياة، وليس هناك تراجع.

أنا مع التغيير… الذي يسير في درب جديد…على أن لا نكرر أيا من السياسات السابقة ولا نعود إلى إستخدام تشكيلة الحكومة التي نخرها دعاة الدين، وبالتاكيد لا يمكن أن نتوقع أن تعود الامور إلى ما كانت عليه بالسابق، لان إزاحة الرؤس المسيئة سوف لن تطال كل أعوانهم المزروعين في مفاصل الدولة…، سوف لن يكون هناك وقت كاف بعد التغيير مباشرةً في لملمة الاضرار وملاحقة كل أعوانهم وأزالتهم مرة واحدة بل نحتاج إلى زمن إضافي.

أن التغيير ينبغي أن يكون للوطن أولا وبعيدا عن الدين. إن العراقيين المتنورين من مختلف الطوائف وذوي الكفاءة موجودون داخل العراق وخارجه لو فسح لهم المجال يستطيعون تغيير الوضع الحالي حتى ولو بالتدريج.

إن منارة الانسان العراقي المنطقي المتحضر يراها كل أهل العلم والمعرفة مهما إختلفت جنسياتهم، أما الاشرار فانهم يتربصون ليل نهار لكي لا يفقدوا شيئا من الذي كسبوه.

ستبقى أرواح المغدورين والأبرياء الذين سقطوا في أتون محرقة الطائفية المقيتة منذ قدوم هذه الزمرة تنادي كل ثانية كالرعد المدوي حتى يعود الحق إلى أهله.

إن التغيير قادم وليعلم الذين يريدون تغييرالتاريخ إلى الوراء وكتابته بالطريقة المعكوسة سوف تسحقهم عجلة الزمن ومعهم كل الذين في عقولهم أمراض مستفحلة ولا شفاء منها وبدون أسف.

أن القادر لا يقبل بالباطل ولا بحكم الظالمين، وشواهد التأريخ كثيرة لغضبه على مشوهي الحقيقة والطغاة الأفاقين. وسوف تزول هذه الغمة على يد المتنورين في هذا العصر.

بإذن الله.

1 تعليقك

  1. Avatar أ.د. عبد الحليم المدني

    احسنت التشخيص والتليل والاستنتاج…..باركك الله.

اترك رد