الفنان التشكيلي – فاخر محمد – بين الحداثة والتجريب

 

تسير مجريات الفنان – فاخر محمد – الإنتاجية في مجال التشكيل نحو الإختيار المتعدد الذي يخضع إلى التجريب المستمر لإكتشاف تكوينات بنيوية متجددة. . وفي أساليب متحررة من بنيتها الأدائية التكنيكية النمطية التكرار. . إنها فعل متحرر نحو قدرة تواثب التحدي الضمني لإكتشاف المخفي بلسان التجدد ومنطق الحيوية الفكرية والشكلانية المعاصرة ،

إنها (ثيمات فكرية)بإتجاه ترسيم عدة مسالك في ميادين تحديث (باثات) الرسم الإشارية التي يبغي ويتطلع من أجل إكمال مشروعه البصري وتدعيم فهمه بسطوع غاياته وتأشيراته المبكرة لمديات النظر والظفر بتبعات (ما بعد الحداثة) وكذلك تحديث بنيتها ( الشكلانية ) أي الفكر والبنية التكنيكية كي تتوافق في الإنسجام والتجريب المتجدد بما يجسد مفاهيم البحوث الدراسية عبر سنوات مضت بين التنظير والتطبيق العملي من خلال دراسة (دكتوراه في فلسفة الرسم الحديث كلية الفنون الجميلة / جامعة بابل/ 200 ) فضلاً عن إستناد أسس دراسته الأكاديمية ( كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد/1977 وبعدها الماجستير من نفس الكلية / 1980) لقد تزامنت معه في تلك المرحلة في الصف الثالث، كان في وقتها يدرسنا الألوان،


حينما كان يدرس الماجستير، تلك المراحل الدراسية أضفت لنا مستجدات من التلقي التعليمي المهاري، وفي والوقت ذاته تعد مراحل من الأضفاء الدائم لنا وله في إستمرارية الإكتشافات المستجدة. . لأن الفنون بشكل عام، لاتخضع إلى المناهج التعليمية الجامدة والثابتة مثل الرياضيات والهندسة والكيمياء والعلوم الأدبية والأحياءية، لذلك فإن الفنون التشكيلية تحديدا تجدد وتخضع إلى آفاق التجريب حتى في مراحل إتباع النظم الأكاديمية بنسبها ( الذهبية ) تلك المراحل قطعها الفنان – فاخر محمد – لخوض مغامرات البحث عن ذاته الفنية الخالصة والخاصة بتوريد منجزاتها وتمريرها من منافذ عدد من معارض شخصية وزهو نيله الكثير من الجوائز والتقديرات،تقف في أبرزها نيله جائزة ( كان- سورمير) العالمية في باريس،

فضلا عن معارض جماعية ومشاركات في العديد من المهرجانات و(البينالات) ونصوع تميز إسمه مؤسسا لجماعة الأربعة إلى جانب (عاصم عبد الأمير/الراحل محمد صبري/ وحسن عبود) للفترة من 1982 – 1990 ومشاركاته الفاعلة والمؤثرة في جميع معارضها السنوية، تستجيب كوامن الذات لهواجس المشاعر الوجدانية إثارة في ذاكرة الزمن البصري. .

والأنعكاس لمؤثرات المحيط لديه بوهج مشاعر حانية ، وساخنة ،متدفقة عبر حيوية الإنجاز الإبداعي وهي تنهل من منابع وعيها اليومي بالمحيط واكتظاظات إشكالاته وتوالي ردود الأفعال لمؤثرات التحفيز الذاتي للاستجابة الإنعكاسية على التجسيد التكويني للأعمال التشكيلية المتعددة البنية النصية والأداءية، إنها سلوكا بصريا وتعويضا دفاعيا إبداعيا، عن كل ما أصاب الحياة من إنكسارات وصدمات وأزمات وحروب عبر عقود من الزمن، إنعكست بشكل كبير على محتويات سيكلوجية للمجتمع العراقي. . يشعر بها إستجابة وتجسيد لدى ذوي المشاعر والأحاسيس الرقيقه والواعية والموهوبة شعرا وأدبا وفنا بأنواعه، الفروع والأساليب. .

لذلك كانت تلك الصفات سلكها الفنان – فاخر محمد – بمخاص متنوع وبرامج متعددة ..إنها أعمال تنحو عبر تهجي حروف مهاراته وتنويعاته اليقظة بإشغال التكوينات الفنية الإنشائية وفضاءاتها المكملة ، بالحركة والتداخل الحر والمدروس ما بين مكوناته البصرية من خلال التنامي وسمة الإختزال في بنيتها التركيبية ،( التركيب الزخرفي) في وحداتها المتناظرة والمتقابلة ضمن أيقونات متتالية. . إنها تجسيد وثراء لمخيلته المتمثلة بمرجعيات إختياراته التي تبدو عفوية… تلقائية …

ولكن مصدرها خبرة مهارية عبر عقود من الزمن، إنها تطفو في أتون لعبها ومرحها المسكون بعوالم الطفولة، والسريان عبر مخزونات الاشعور والعقل الباطني، ودفق الأشياء ومكملات دواعي العودة إلى البدائية وبساطة فعل وطبيعة الدنيا بأصلها غير المخرب والمشوه بأيدي ضاغطة على حيوية الوجه الآخر للقيم الدنيوية والأستاطيقيا الجمالية ، أي فعل إبداعي تجسيدي لايخضع إلى مقيدات جمعية مفترضة، تفرض استجاباتها على نحو مقيدا أو أنصياعا – للقبول بكل تركاتها التي تسببت مقيدات إفتراضية تبعد الإتصال مع الجذور الأولية للنشيء البدائي – الأول إنه حنين وتفاعل متبادل تتضافر فيه عدة مساند وقواعد تشي بتلاقي أنساق وتدافع خطوط طرية بذات ملامح شخوص و معالم متنوعة غير محددة .. بل إنها تعكس معالم وبنية نصية (بانرومية) ذات دفق يغور في ثنايا الأثر الفعلي للتجسيد المهاري والمعرفي .

– مضامين وصيغ تطبيق –
يتناول الفنان التشكيلي – فاخر محمد – في أعماله الأخيرة حوار وصراع مابين الحياة والموت اليومية في العراق ، تحمل في طياتها أنواع من المرموزات التي تتضمن علاقته مع حكايا الأمهات والأحجيات. حملت أعماله رموزا وحكايات من الطفولة وأشكال حيوانات ودمى قماش وطيورا وغير ذلك من الكائنات. وعكست هذه الأعمال أهداف الفنان – فاخر محمد – في إستخدام مادة الأكريلك التي تعد من المواد اللونية الحديثة الإستخدام في الفنون التشكيلية إذا ما قورنت مع باقي المواد كالزيت والألوان المائية والترابية المذابة. لقد تجسد ذلك في معرضه الشخصي الجديد الذي يأتي ضمن برنامج بغداد عاصمة الثقافة العربية عام 2013 ، وما تلاها وسبقها من معارض ومشاركات جديدة .

إنها أعمال تحكي أساطير الرافدين بالألوان الساحرة، تعكس تنويعات جمالية مليئة بالأسرار تاركا للمتأمل حرية التفسير والتبصير .‏ وتعد هذه الأعمال خلاصة مسيرته الإبداعية عبر سنوات من الإنجاز، وبجهود مستمرة ومتوالية، تم افراغها في أعماله الأخيرة، فتحولت إلى سطوح لونية وتفاصيل يقترب ‏المشاهد من معانيها بالتدريج تاركا له حرية الكشف عن أسرارها ومضامينها.‏ تلك الإشارات التي أفصح عنها الفنان – فاخر محمد – بوضع صياغة جديدة لمفهوم الذاكرة القديمة ورموز الحضارة ‏فجاءت في بعض اللوحات أشكالا تذكر بسحر التاريخ، حيث هنالك وجوه للطفولة تعيش في ‏طقوس الحياة الماضية.،

تعكس مدلولات فنية وألغازا تعود لأساطير ‏وحكايات من حضارة الرافدين، ومناظر طبيعية إنعكست بشكل جلي على المنتوج الإبداعي المترابط مابين تلك المراحل الزمنية والمكانية.‏ وغالبا ما تظهر أعمال الفنان كأنها مستوحاة من مصنوعات شعبية إشتهرت بها ‏منطقته وتتميز بألوانها الحادة مثل البسط والسجاد اليدوي المصنوع من الصوف.‏ وتتميز لوحاته الأخيرة بقياسات كبيرة الحجم، ونسيجها من الألوان الصريحة والتي تسمو عليها دفق من حيوية الإشارات اللونية المبتعدة عن ما يسود البيئة من غبار وأتربة، تعد من عوامل الحالات الطارئة في بنية المناخ المتغير كالأحمر و‏الأخضر والأزرق وما يشبه المنمنمات فضلا عن وجوه وطيور.‏ كما إنني أتوافق تمام مع رأيه الصائب حول تدني مستوى التقييم والإهتمام بالثقافة ومنها ألفن التشكيلي الذي كانت له قيمة عليا وجذور منشأ في عصور الحضارات في وادي الرافدين والحضارات الأخرى المجاورة زمانا ومكانا.. بل حتى في العقود التي تزامنت مع تأسيس الدولة العراقية عام 1921، كان لدرس الرسم والموسيقى أهمية تتناسب مع الدروس الأدبية والعلمية الأخرى. .

حيث أشار إلى إن الفنانون بشكل عام يشكون لسبب متواضع.. أن نعيش في بلد ومجتمع وبكل بساطة لا يحترم الفن.. لأنهم منغلقون في هذا الجانب.. المجتمع العراقي بشكل عام.. هذا إذا استثنينا القلة.. لم يثقفوا في أمور الفنون.. موسيقى، رسم، غناء. وكل أنواع الفنون لأسباب كثيرة يصعب حصرها.. بينما الفن في العراق القديم – سومر- بابل- آشور- أكد – كان الفن يسير جنباً إلى جنب مع الحياة والسياسة والدين.. بمعنى لم يكن دين في سومر أو بابل القديمة بدون المنحوتات والطقوس. الآن الأمر اختلف كثيراً.. لذا أصبح الكثير من الفنون عندنا ليست ذات قيمة كالغناء أو الشعر أو المسرح أو الرسم.. يضاف إلى ذلك وتحديداً بعد عام (2003) إنحسار دعم الدولة للثقافة والفن. وهذا الأمر يعد كارثة للمجتمع العراقي وبالتالي للدولة بشكل عام.. فأنت لا تستطيع بناء دولة بدون بناء الإنسان، والإنسان لا يمكن أن ينبني بشكل صحيح وسليم بدون فن وثقافة ورياضة وسياسة صحيحة.

ولد الفنان – فاخر محمد – في مدينة الحلة، عام 1954 وأكمل دراسته في ‏كلية الفنون الجميلة في بغداد عام 1977 وحصل على درجة ماجستير في الرسم عام ‏‏1980 قبل أن ينال شهادة الدكتوراه في فلسفة الرسم الحديث .‏

عضو جمعية التشكيليين العراقيين ويعمل أستاذ في جامعة بابل ثم عميدا لها .‏ وسبق أن أقام عددا من المعارض في عمان كما شارك في معارض في باريس ‏والشارقة والقاهرة وإيطاليا وتونس والصين ولندن وفي جامعة ميشغان الاميركية.‏ وحصل على جائزة الإستحقاق الخاصة لمهرجان كان سور مير الفرنسي عام 1984 ‏وجائزة معرض الفن العراقي المعاصر الذي أقيم في الإمارات 1989 .‏

شارك
المقال السابقالدّين والمَلِكْ
المقال التالىاستهداف قطر من زاوية اخرى

ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تن....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد