ولكم من مكتبتي كتاب:على حجر بارد .. نتبادل عشق الأغاني – ج2

 

( على حجر بارد… نتبادل عشق الأغاني) للشّاعر طارق النّاصري
[هل لحرف محزون أن يحتفيَ بالمعنى ويرصف الجدبَ ليشيّد حياةً منشودةً، في عوالم الفقد؟]
( في الهلع من الواقع المرذول وبناء أكوان الحلم)

لعلّ الأمّة العربية كانت أوفر الأمم حظًّا باحتضانها لأشرس الهزائم عبر التّاريخ. ولعلّ بلاطاتها شهدت “أرفع” الدّسائس وأشنع القتلات.. فإن استتبّ فيها الأمر لحاكم عطّل كلّ الأنشطة الفكرية والشّعورية والحركات الإبداعية وأثقل رؤوس حاشيته بالأطماع وكروشهم بالمال الحرام. لكن هل أنّه متى آل الأمر والنّهي إلى زمام الجياع والعطاشى أقاموا العدل وبنوا الأحلام أم أنّهم ينقادون من حيث يدرون أولا يدرون إلى اتّباع سُنن طالما شهّروا بها وبمُرسيها؟. وفي هذا النّسق يندرج الدّور الأشدّ خطورة للمثقّف العربي والمتمثّل في وعيه بمسارب الأمور والتّنبيه على المخاطر إذ يذهب المؤرّخ والمفكّر المغربي عبد الله العروي إلى أنّ “العلاقة بين المثقّف والمجتمع العربي هي علاقة معقّدة”. ويعود ذلك في نظره إلى محدودية قدرة المثقّف العربيّ. لكن رغم ذلك لا بدّ له من السّعي في إطار “عقلنة المجتمع” لما للمثقّف من أهمّية. إذ هو المقاوم الأوّل والأقدر على تغيير البنى الفكرية والسّلوكية.

ونحن إذ نتصفح نصوصا لشاعر مثقّف هاجسه الأوّل تخطّي واقعه اللّغوي والشّعري إذ يهدف إلى حداثة إنسان يحيا معاناته ويقولها، علّه يسعى بها إلى واقع مأساويّ يعيشه الإنسان مطلقا كما فعل السيّاب من قبل إذ نشد الكونية فأصابها خصوصا في اشتغاله على “غارسيا لوركا”. إذ انتقم له من مُعدميه بأن صيّره حديث الدّهر في حين نثر ذكراهم هم في عوالم النّسيان .

بم احتفى النّاصري في مجموعته هذه ؟

وهل استجاب إلى الصورة النّمطية للمثقّف ينقف خبايا عالمه ويزيح الأستار عمّا تحجّب منها وتخفّى؟

أشهر الشاعر واحدا وعشرين شِعارا اتّخذت لها صورة النّداءات، من فاتحة شهر أكتوبر إلى اليوم الحادي والعشرين تليها نصوص شعريّة أخرى تمايزت فيما بينها طولاً كنصّ “الوليمة” ونصّ “القربان” ونصّ “عام على حجر بارد” وغيرها وقِصرا كنصّ “هي” ونصّ “مرابطون” ونصّ “شوارع في بلادي” وغير هذا وذاك كثير…غير أنّ ما بينهما في اعتقادنا هو وطيد علاقتها بواقع الشّاعر خاصّة منه السّياسي.

وهكذا وجد النّاصري نفسه محشورا في زاوية السّياسي التي تنفر من المجاز والإبداع عادةً وتنشد المباشراتية. في حين أنّه نجح في مواطن شتّى في ترسيخ الشّعري بل والإيغال فيه. كيف لا؟ والشّعر مستمدّ أساسا في لفظه من (شعار) يُتنادى به زمن الحرب وتأزّم الحال. فالشّعر قيادة بل ريادة من أجل تشييد المصلحة أو المنفعة في تجاذبها بين التّقليد والتّجديد وهنا يحلّ المرء في مـأزق وجوديّ.. فتعيش الذّات الشّاعرة بتمزّق أجلى في هذه الخصومة بين الأصالة والحداثة. إذ المجال الحيويّ للأصالة ذاتيّ في حين تكون الحداثة ضرورة مجتمعيّة للتّطوّر فإلى أيّهما أرخى النّاصري العنان أكثر؟. أم أنّه نقل في نصوصه حال التوتّر الشعريّ. فلم يكتف بنقل المعاني السيّارة. وإنّما آلى على نفسه تشييد معاني جِدّةٍ، تليق بالحال وهي تتجدّد. ويكون بذلك قد استجاب إلى أحد أهمّ مياسم الشّعر وهو أن يجعل الكلام جميلا وخيرا في آنٍ. أم أنّ سخونة وجنتي الذّات بدّدت من أمام ناظريها شعريّة الشّاعر؟.

فالكتابة كما يقول محمد لطفي اليوسفي “منازلة للعدم و للاّمعنى”. ومنه فالشّاعر مدعوّ بل مقدّر عليه أن يكابد لئلاّ يجعل الشّعر إبهارًا للمتلقّي حَسْبُ، ولا أن يتوه به فيما ليس منه من تعمية وأُحجيات أو تبسيطا وتسطيحا. فالمعاني الوجيهة لا تُبتنى إلاّ في الأعماق ولاتستباح إلاّ بالمجاهدة والضّنى.

نعتقد غير جازمين ولا مجاملين أن شاعرنا تحسّس الثّنايا ورصف صورا تشيّد معاني ونضد المعاني يسبك بها كونًا شعريًّا منشقًّا. سيقف القارىء لاحقا على مدى وجاهة ما قلناه فيه. لكن ما يمكن أن لا نحاذر كثيرا في قوله: إنّه أفسح مجالات كثيرة أقام بها من الوجع رقصةَ الشّعر ووليمة المعنى. وأعلى بمعجم الفناء عالمه الشّعريّ المخصوص ينافر المعهود ويجازف عنادا في تخطّي الصّور المألوفة. وقد حضرت ذاته في النّصوص حضورا مغامرا مقامرا. فترغب الذّات الشّاعرة عن اليسير والأيسر وتنشد ما تعسّر قولاً ومعنًى ودلالة. فتقيم متباهية في غير عالمها تنشد السّفر والتبدّل ولاتنكفىء عنه لحظة…

قراءةً منشقّةً شيّقةً.

المقال السابقتردي الخدمات
المقال التالىأول الغيث قطر ثم يسقط الاخرون…
عمار التيمومي : ولد في 05 مارس 1969 بنصرالله. وهوأصيل بني جلاص يسكن بمنزل المهيري-القيروان أستاذ أول مميّز درجة استثنائية للتعليم الثّانوي حاصل على الأستاذية من كلّية الآداب بمنّوبة والماجستير من كلّية الآداب بالقيروان بتقدير حسن جدّا. ويعدّ رسالة دكتوراه في الخَطابة بكلية العلوم الإنسانية والاج....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

اترك رد