ذاكرة السّمك


 

ليس غريبا اليوم أن تسأل أيا ّ كان عن عشائه الأخير فلا تسعفه الذّاكرة . ففي النّسق السّريع الذي نحياه ومع إجهاد الحياة ومتطلّباتها ومع التدفّق الهائل للأخبار من كلّ مكان تعجز ذاكرتنا عن تخزين شي ء فنتّخذ ذاكرة الّسمك .

ذاكرة الفرد المعاصر مثقلة بالتفاصيل . هو لا يحمل أعباء نفسه وأسرته وقبيلته كما كان نظيره من قبل ، بل يحمل أعباء نفسه وأسرته ووطنه وقارتّه والعالم .

لذلك لا شئ يبدو غريبا عندما ينسى أدقّ تفصيلاته .وذلك سوي ّ. ولكن عندما يصبح الّنسيان هو ردّة فعلنا السّريعة على كل شئ بما فيه أوجاع وطنه وأحلامه ، نجانب السويّة. كم من الصّور والأخبار تأتينا من هنا وهناك ، تقضّ مضاجعنا ، تُسيل دموعنا ، تثير تعاطفنا ..نقوم بعملية تفريغ للمشاعر وينتهي الأمر هناك . تقذف ذاكرتنا بها بعيدا وكأنّنا نتخلّص من حمولة زائدة ، ومع الغد تصبح طيّ النّسيان وكأنهّا لم تكن . صفحات التواصل الاجتماعي مرآة دقيقة لذلك . لا يسعنا معها إلا أن نَعجب من تلك القدرة المهولة على الانتقال من موضوع إلى آخر في الغد ، مهما كان حجم الموضوع وأثره ، ولو كان مفصلياّ يحّدد مصير وطن وأوجاعه .

لم يكن المنتسب إلى الرّقعة العربيّة دائما هكذا .لقد كانت ذاكرته قويّة ، وردود فعله مع كل ّعنجهيةّ الجاهلية بطيئة تُطبخ على مهَل .حرب البسوس التي استغرقت أربعين عاما شاهد على ذلك . كان فيها الشّاعر المهلهل يشحن ذاكرته بالشّعر حتى لا تضعف الذّاكرة وينسى الثأر، ثأر أخيه . للذاكرة وَقودُها أيضا ، ووَقودُها ألاّ تُسقِط التفاصيل وألا ّ تجنح إلى الرّاحة . ولذلك كانت ذاكرة المهلهل تقتات من الشّعر إذكاء للذكرى . حتى لا يبرد الثّأر . لم تختفِ صورة أخيه كليب من منطوقه ولا من عقله ، وبذلك فقط بقي الثأر حيا ّ وبقي يقارع أعداءه رمحا برمح وسيفا بسيف حتى أوشكت القبيلتان على الامحّاء .

هذه الذّاكرة ، هي ذاكرة الجاهلي ّ . ذلك الذي ابتدع مفهوم الثّأر . والثّأر ليس ردّة فعل بطيئة عاجلة. إنّها تحزين للوجع حتى ينضج ، ومتى نضج خرج في شكل فعل . لذلك مازالت عادة رفض الّتعازي ماثلة عند بعض العرب اليوم . أن تقبل الّتعازي معناه أنّك مستعد ّ للنسيان .ولمحو ما كان والسّير قدما . وهذا ما لا تفعله ذاكرة تصر ّأن تمكث حيث هي ، احتراما لمن تحبّ وصونا لذكراهم .

كيف اكتسبنا إذن ذاكرة السّمك تلك ؟ كيف سقطت فلسطين والعراق وسوريا .. ومرّت مجزرة صبرا وشاتيلا وقانا ومجازر المخيمات ..كيف مرّ كل ذلك دون أن يطرف لنا جفن ، إلا ّبعض الدّموع وبعض الأحزان نذروها هنا وهناك ونمر ّ.

ذاكرتنا الحضاريّة ضعيفة جدّا ، أو نحن تقريبا بلا ذاكرة .ربّما حجم المآسي التي عشناها فاضت ولم يبق للوجع أثره الأوّل . ربّما شعور اللاّجدوى وأنّنا لا نغيرّ شيئا مهما فعلنا ، ربّما حواسّنا المدجّنة بكثرة المشاهدة حتّى فقدت حّسها ..وربّما كلّ ذلك معا .

قد يقال أن الضّعف الحضاري للذاّكرة ينفع الشّعوب .لولاه لما تصالح الحلفاء وبلدان المحور مثلا ، ولولاه ما اندملت جراح الحرب ولما انتهى الثأر . هذا صحيح ، وذاكرة ضعيفة لا بد ّ منها لتستقيم الحياة أحيانا للأفراد وللحضارات . ولكن أحيانا فقط .

الشعوب التي تحترم نفسها لا تنسى ضيما لحق بها ولا استعلاء ولا استعداء دون وجه حق. لا تنسى أرضا افتكّت منها ، ولا دما سال ، لا تنسى وجع طفل أو وجع شيخ ….ذلك الحدّ الفاصل بين ذاكرة تسامح وذاكرة بلا هويةّ ولا مرجع .

أغرب ما في هذه الذّاكرة العربيّة أنّها تنسى آلامها وتنسى من اعتدى عليها . ولكنّها لا تنسى مثلا جدالها حول خلافة مرّ عليها أربعة عشر قرنا ومن كان أحقّ بمن أن يكون خليفة.ما زالت تجادل ذلك وقد تجيّش له الجيوش إن لزم .مازالت تحفظ ثأرا لصحابي ّ عند صحابي ّ ولخليفة عند خليفة ، ومازالت تجادل في حماسة ترتيب الخلفاء وكيف ينبغي عليه أن يكون ..مازالت تقيم النوائح في ذكرى ما . والاحتفال في أخرى لحدث مفرح أو محزن مرّت عليه قرون .

ما الذي يجعل هذه الذاكرة تتحفّز أحيانا وتنسى أحيانا . هل هي سطوة المقدّس التي لا تزول أوهو نزق الذّاكرة التي تهرب من حروبها الماثلة عيانا نحو أخرى ابتلعها التاريخ ، هربا من المواجهة وعجزا عنها . تماما ، كما تشتغل ذاكرة فرد ضاق به واقعه فأوجد لنفسه حربا يخوضها ولو كانت حربا من وهم ؟

لا تعليقات

اترك رد