قطر المدى …!


 

منذ زمن طويل وقطر المدى تسكن مع جيرانها، ويعرفون عنها كل شيء، حتى أدق التفاصيل، وكانوا يلمحون أشخاصاً غرباء يدخلون إليها يعتمرون القبعات الأجنبية، ويرتدون الأزياء الغربية، ويستمعون إلى أصوات القهقهات العالية، تأتي إلى مسامعهم من درفة الشباك المفتوح. ويعرفون بعلاقتها “السرية العلنية” مع المدللة اليهودية، وكانت تأتي معهم في الرحلات والمصايف الطارئة، والمستعجلة ولم يكن هناك واحدة من الجارات تتكلم عنها بسوء ولم نسمعهم يوماً يأتون على ذكرها بالعاطل.

لكنهم اليوم يشعرون بالغيظ لأنها أصبحت على علاقة مع جارة تقطن على الطرف الآخر من حارتهم. حينها ثاروا وخرجوا عن صمتهم وأعلنوا التخلي عنها ووقفوا وسط الشارع يفضحون عيوبها ويكشفون سترها ويتهمونها بالتآمر وخروجها عن النص سافرة بدون حجاب ولا جلباب، فأشاعوا الخبر ما بين الحارات كلها عن انفصالهم وانشقاقهم عن ” قطر المدى”

قطر، لم تكن تغضبهم على أنها من أكثر الدول التي تراقص إسرائيل جهاراً نهاراً، ولم يستفزهم مطلقاً أنها أول دولة عربية خليجية يؤسس بها قاعدة عسكرية أمريكية، ومن ثم تكاثرت القواعد العسكرية الأمريكية. لم يعترضوا على قناة الجزيرة والتي يديرها كل ثلاثاء كبير سماسرة الفتن واشعال الخلافات الطائفية والمذهبية والتي كانت تحاك أمام أعينهم وهم صامتون.

إذن فما الذي استجد الآن وما الداعي لكل هذا الغضب؟
على ما يبدو أن زيارة ترامب إلى المملكة السعودية قد آتت أُكلها ونضج ينعها واليوم قد حان قِطافها. أو لعلها تصفية حسابات لدول اجتمعت مصالحهم فاتفقوا على قرار عزل قطر المدى. أو ربما العلاقة الحميمية ما بين قطر المدى وإيران والتي تزامنت مع القمة الإسلامية الامريكية هو ما استفزهم ودفعهم إلى مثل هذا القرار الصادم. ولم يفكروا بالعواقب الوخيمة التي ستحدث في المنطقة وهم بهذا القرار افسحوا المجال لإيران لتحضن قطر المدى وتستفيد من هذا الخلاف مادياً وسياسياً وتوسعياً فمن يتخلى عن ابنته لا يأتي فيما بعد ليجلدها. كما سبق وأن فعلوها حين تركوا سوريا تحترق وأهدوها لروسيا مجاناً، وجعلوا منها وكر تسكنه الشياطين.
كل هذا الكلام عن قطر المدى معروف وكذلك سبب الغضب والجنون، لكن السؤال الأهم من كل هذا الكلام الفارغ: ماذا سيحدث لاحقاً وما هي التداعيات لقرار طلاق قطر المدى بالثلاث؟

من هو متعاطف سياساً مع إيران سوف يشعر بالسرور والرضا على الخلاف الخليجي وسوف يعلن الشماتة بكل قوة، لأنه يشعر أنها بداية النهاية لسقوط دول الخليج.

ومن كان متعاطفاً دينياً مع السعودية، كذلك هو سوف يشعر بالراحة لانفصال السعودية، لأنه تبين أن السعودية لا ترضى عن السلوك المنحرف التي تقوم به قطر المدى، وسوف يكثر المنظرون الذين يتشدقون بكلام العفة والأخلاق ويتكلمون بالسوء عن قطر المدى.
وماذا عن قطر المدى، وكيف ستفعل حيال هذا القرار؟

إن هذا القرار الذي جاء من دول الخليج قد أزاح الهمّ عن صدر قطر، وخلصها من الإحراج التي جاهدت نفسها طويلاً على إخفاء رغبتها الجامحة، في أن تكون عزفاً منفرداً بعيدة عن وصايا الدول الأخرى، وبالأخص السعودية؛ فعادة الراقصة لا تحب أن تجالس إمام الجامع؛ لكيلا يكثر عليها الوعظ والنصح والحرام والحلال، وهي تهوى الطرب والمتعة والحرية. فجاء القرار مثل العسل على قلب قطر المدى.

لكن مالم يفكر به المتعاطف مع إيران، والمتعاطف مع قرار دول الخليج ضد قطر، هو أن الشرخ الذي سوف يصيب جدار الخليج، سوف يمتد ليكون نهاية المطاف والمخطط، وتصبح جميع الدول العربية تحت الاحتلال والدمار. وبهذا تكون كل نبوءات بني صهيون قد تحققت ولكن مالم تفكر به إسرائيل بأن يكون ثمن نصرها على العرب بخساً إلى هذا الحد، وهي التي أدخرت المبالغ الضخمة ومخططات شيطانية أكبر؛ ولكن العرب بقيادتها الحكيمة والرشيدة، اختصرت الطريق أمام المد الفارسي، ليصبح الخليج الفارسي رغماً عن أنف العرب ورغما حتى عن أنف ” Google ” وكذلك اختزلت على إسرائيل التاريخ في تحقيق الحلم ” من الفرات إلى النيل”
بينما نحن الشامتون بخيباتنا المتوالية، نفرح ونضحك حتى على مصائبنا، ونسخر من كل حدث ونتخذه للتسلية على مواقع التواصل، ولا ندرك عمق الكارثة ومساحة الغباء التي تتسع والتصحّر الفكري الذي وصل إلى اقصى بعقة من بقاع الوطن العربي. وكأننا نحن العرب قد تناسلنا من صلب الهزيمة ورضعنا من حليب الانكسار وأدمنا على أفيون النكسة..

لا تعليقات

اترك رد